الانتماء، تلك كلمة قليلون هم من يفهمون كنهها في كرة القدم. قلة نادرة من اللاعبين في هذه الساحرة المستديرة من يفقهونها. أن ينتمي اللاعب، بمفهوم الكرة، إلى فريق، يعني أن يصبح شعار الأخير أكثر من مجرد صورة في قميصه مطبوعة على صدره، وأن يصبح قلبه النابض ومحور وجوده في هذه اللعبة.


أن ينتمي اللاعب إلى فريق يعني، بمفهوم الكرة، أن يصبح ملعب ناديه أكثر من مجرد عشب أخضر تُركَل عليه الكرة ومدرجات، أكثر من مجرد أشياء صامتة، بل أن يصبح كمنزله الذي فيه يرتاح ويطمئن، حيث للأشياء فيه معنى ورمزية وحياة. أن ينتمي اللاعب، بمفهوم الكرة، إلى فريق، يعني أن يصبح مقرّه أكثر من مجرد مكاتب وصالات، بل أن يصبح مدرسة يتعلم منها ويعلم فيها معاني الوفاء والعطاء والاجتهاد والتضحية إلى أبعد الحدود، بكل ما تحمله هذه الكلمات من معان. أن ينتمي اللاعب، بمفهوم الكرة، إلى فريق، يعني ألا يقف عند شائعة من هنا وخبرية من هناك، أن يتخطى كل الضجيج حوله ويبقى منصتاً لهدف واحد: إعلاء شأن القميص الذي يرتديه. أن ينتمي اللاعب، بمفهوم الكرة، إلى فريق، يعني أن يصبح محصَّناً أمام كل المغريات، وما أكثرها في هذه اللعبة، وما أكثر النجوم الذين سقطوا فيها وفي مقدمها العملات المالية الملونة. أن ينتمي اللاعب، بمفهوم الكرة، إلى فريق، يعني أن يصبح هذا الأخير البداية والنهاية، أن يصبح كل الحكاية.
هذه الحكاية التي يختتمها اللاعب عند اعتزاله وكثيرون من يؤرخونها في كتب سيرتهم الذاتية. هي الحكاية التي تنهل منها الأجيال المقبلة، لكن قبلاً هي التي يعيش معها اللاعب بقية حياته خارج الملاعب مقلّباً صفحاتها في ذاكرته ومستذكراً هدفاً هنا وفوزاً هناك، وحسرة هنا ودمعة هناك.

أكد هاملس أنه
باق مع دورتموند غير ملتفت لكل العروض

لكن روعة هذه الحكاية، وما يزيدها قيمة، أن عنوانها واحد وفصولها تشبه مراحل حياة الإنسان. ففي الفصل الاول نجد اللاعب بقميص هذا الفريق وهو لا يزال بعدُ فتياً يتناثر أحلاماً. وفي الفصل التالي نجده مثابراً كتلميذ في مدرسة ليثبت وجوده ويعود إلى مدربه بامتحانه الذي يحصل من خلاله على علامة «الثقة»، وفي فصل آخر نجده في قمة تألقه وذروة نشاطه كما الحال في حماسة الشباب، وفي فصل أخير نجده حاملاً ثقل تجربته في الملاعب ككهل وهو يذرف الدموع مودعاً جماهير الفريق نفسه.
هذه الحكاية أخبرنا عنها قبلاً، على سبيل المثال، النجم الإيطالي باولو مالديني مع ميلان والأرجنتيني خافيير زانيتي مع إنتر ميلانو، اللذان اختزلا كل معاني الانتماء إلى فريق، ولا يزال يخبرنا عنها الإيطالي جانلويجي بوفون، الذي قدّم نموذجاً نادراً للتفاني مع يوفنتوس حين قرر مواصلة مسيرته معه رغم العروض التي انهالت عليه بعد سقوط الفريق إلى دوري الدرجة الثانية، وكذلك الامر مع الألماني فيليب لام المستمر مع بايرن ميونيخ منذ عام 2002 (أعير بين 2003 و2005 لشتوتغارت ليكتسب الخبرة) الذي أكد قبل أيام أنه سيعتزل عام 2018 بقميص البافاري، وهذا هو الحال مع زميله باستيان شفاينشتايغر المستمر مع بايرن منذ انطلاقته فيه أيضاً عام 2002.
هذه الحكاية دخل إليها لاعب جديد أمس، عندما قدّم شكلاً من أشكال التفاني في عزّ النجومية والشهرة. هو شاب متألق ويحظى بإعجاب يلفّ العالم. صحيح أنه لا يزال في بداية مسيرته ولم تمض بعد 5 سنوات على ارتدائه قميص فريقه، إلا أنه قال أمس كلمات بالغة العبر والمعاني بعد سيل من الشائعات التي نُسِب بعضها إليه. قالها الألماني ماتس هاملس بالأمس: سأبقى مع بوروسيا دورتموند حتى لو لم يتأهل إلى دوري أبطال اوروبا في الموسم المقبل. قالها هاملس، الذي نشأ في بايرن وارتبط عاطفياً بدورتموند، بأن هدفه هو ان يساعد فريقه في محنته، هو الذي تسعى معظم الفرق الاوروبية الكبرى لنيل توقيعه، هو الذي ظُلم حتى بسبب ارتداء قميص دورتموند، وليس ريال مدريد أو برشلونة أو تشلسي، بعدم الظهور في التشكيلة المثالية لعام 2014 التي أعلنها الاتحاد الدولي لكرة القدم.
التفاني تلك هي الكلمة النادرة في الملاعب، لكنها الأجمل على الدوام. كيف يمكن ألا تقدِّر لاعباً يشعّ بها؟