strong> عبد القادر سعد

تصوير: محمد علي

حكاية اللاعبين الأجانب في كل موسم كروي، حكاية إبريق الزيت المخروم، تتكرر شكلاً ومضموناً وفنياً ومادياً، بين الضعفاء والمهزلة وقليل من الجيدين، ولمعرفة الحكاية نستصرح وكلاء اللاعبين...


موسمٌ بعد آخر، يلاحظ تراجع مستويات اللاعبين الأجانب الذين يحضرون إلى لبنان، وبعضهم يأتي بمستوى أقل من اللاعبين المحليين، فيصبحون عالة على فرقهم، فيقبضون ويرحلون.
أسماء عديدة مرّت على ملاعب لبنان، بعضها ترك بصمات لن تنسى. ففي فترة السبعينيات الذهبية، برز المحترفون علي محسن وفيليب الشايب وكلود كوبا ونهاد ندا وعز الدين يعقوب وفؤاد أبو غيدا ومحسن صالح وغيرهم ...على مستوى عالٍ جداً.
وفي العشرين سنة الأخيرة، شهدت ملاعبنا بعض النجوم فعلاً، الترينيدادي دايفيد ناكيد ومواطنَيه إيرول ماكفرلاين وبيتر بروسبار، والأرميني خورين، والمصريَين حمادة عبد اللطيف وهشام إبراهيم، والعراقي ليث حسين.
ولكن في الأعوام الأخيرة، بدأ توافد المتواضعين غالباً، عدا قلّة بارزة مثل الثنائي العراقي أحمد مناجد وصالح سدير، والبرازيلي إديلسون في صفوف الأنصار.
ما هي أسباب التراجع حتى أصبح الأجنبي الجيد والممتع عملة نادرة؟

المال والإدارة!

المال! فبعيداً من فريقي الأنصار والنجمة، ترزح معظم نوادي لبنان تحت وطأة الأعباء المالية، فتعجز عن استقدام خامات جيدة وتكتفي بالمرقّع، فيكون أجنبياً على الهوية فقط. وهذا يقود كُرتنا إلى الحلقة المفرغة والعبثية التي تعيشها، فلا تسويق ولا تخطيط ولا حضور جماهيرياً يشجّع على جذب المعلنين، ولا دعم رياضياً رسمياً، ولا إدارات متخصصة في الأندية، وبالتالي لا كرة قدم. وترتيب لبنان في تصنيف «الفيفا» الرسمي أفضل دليل(المركز 144).
وكلاء... حسب الطلب
والسؤال الأساس، كيف يصل هؤلاء الأجانب «الجواهر الكروية» إلى النوادي، وكيف هي خطواتهم قبل التوقيع على كشوفات الأندية في الاتحاد؟
هناك عدد من وكلاء اللاعبين في لبنان يستقدمون لاعبين حسب الطلب، أو بالموجود بأسعار مناسبة.
يستقدمون لاعبين يوزعونهم على نوادٍ وفق متطلبات كل فريق وقدراته المادية. وتتراوح تكلفة اللاعب، بعيداً عن ناديي الأنصار والنجمة، بين 13 ألفاً و20 ألف دولار ، تتضمن مقدّم العقد ورواتبه في الموسم الكروي ( 7 أشهر).
ولكل وكيل ارتباطات مع مكاتب ووكلاء آخرين في البرازيل وإفريقيا، حيث إن معظم الأجانب عندنا من هناك. فيجري إرسال السّيَر الذاتية (C.V) للاعبين، إضافة إلى شريط يحتوي لقطات مختارة من مباريات لعبها، والمبلغ المطلوب لإتمام الصفقة. فيقوم الوكيل اللبناني بدراسة ما إذا كان هذا اللاعب يناسب السوق اللبنانية.
وغالباً ما يكون مقدَّم العقد من حصة الوكلاء، في حين يكتفي اللاعب براتبه الشهري الذي يتراوح بين 1000 و 2000 دولار، مع استثناءات قليلة، حيث يطلب بعض اللاعبين نسبة من مقدَّم العقد. ويتحمّل الوكيل تكلفة تذكرة الطائرة للّاعب ذهاباً وإياباً، والاتصالات الدولية التي تكلّف كثيراً، في حين يقوم النادي بتأمين تأشيرة الدخول ومكان الإقامة ووجبات الطعام. ويتكلّف الوكيل ما بين 2500 و3000 دولار خلال زيارة اللاعب إلى لبنان.
مروة: المشكلة في عدم مركزيّة القرار
محمد مروّة، وكيل لبناني، ولديه مكتب في ماليزيا (2M)، ويتعامل مع لاعبين أفارقة، وخصوصاً من الكاميرون ونيجيريا وزامبيا والسنغال، من خلال علاقاته بالاتحادات الوطنية وبصحافيين وشركاء في تلك البلدان. ومن اللاعبين الذين أحضرهم سابقاً إلى لبنان فيليكس للأنصار، ونيكولاس للنجمة، وحالياً الكاميروني ميلات إلى الصفاء.
ويتحدث مروّة عن الصعوبات التي يواجهها الوكيل في لبنان وأبرزها: عدم قدرة النوادي على اتخاذ قرار سريع، وعدم مركزية القرار في اختيار الأجانب، وهذه يجب أن تكون محصورة بالمدرّب فقط، كما يفترض، إلا في لبنان حيث يُحصر بالإداريين رغم عدم خبرة معظمهم في هذا الشأن. وشهدنا حالات أُعجب فيها المدرب ببعض اللاعبين لكن إدارياً لم يوافقوه الرأي، وينتهى الموضوع. وهذه طريقة غير محترفة، إذ إن الإدارة يمكن أن تتدخل في الاختيار عبر لجنة من شخصين أو ثلاثة، تأخذ القرار بعد تجربة صحيحة للّاعب الأجنبي قبل الحكم عليه، عبر إعطائه وقتاً كافياً، بين أسبوع و10 أيام، وإشراكه في مباراتين تجريبيتين، بعد أن يكون قد تمرن 3 تمرينات مع الفريق ليعتاد على الجو. وهناك نوادٍ تطلب أن نرسل لها اللاعب مباشرة إلى المباراة دون تمرينة واحدة مع الفريق. فهل هذا معقول؟
ويعلّق مروة على دور اتحاد اللعبة في الصعوبات أيضاً. فالاتحاد يطلب الاستغناء الدولي الأصلي للاعب بحجة منع التزوير. وهذا صعب لكون بعض الاتحادات الإفريقية تحتاج إلى أسبوعين قبل أن ترسل الاستغناء الأصلي، إضافة إلى التكلفة المالية التي تصل إلى 100 دولار بالبريد السريع، مع العلم بأنه يمكن اعتماد المراسلات الرسمية عبر شبكة الإنترنت، وهي تقطع الطريق على أي تزوير.
ويرى مروّة أن الدوري اللبناني جيد، والدليل هو التطور الذي حصل على أداء الثلاثي العراقي المحترف ( أنصار) مع منتخبهم في كأس آسيا، وكذلك الكاميروني بيار بويا الذي لعب موسماً مع السلام ثم مع منتخب الكاميرون الأول. ويهم اللاعب الأجنبي أن يحضر إلى لبنان لكونه مكاناً جيداً للتحضير. فلاعب الصفاء الجديد، الكاميروني ميلات، قال لي «إن المستوى هنا أفضل من البحرين، حيث كان يلعب، والمنافسة أقوى».
ويؤكد الوكيل محمد مروة أن السياسة وغياب المال والجمهور أفسدوا كرة القدم في لبنان. فهناك أربعة نوادٍ مدعومة من جهة سياسية واحدة، في حين أن الرعاية يجب أن تكون من جهات تجارية. ويستغرب مروّة عدم لعب شركتي الاتصالات الخلوية في لبنان دورهما الرعائي بدعم الدوري اللبناني، كما هو حاصل في معظم الدول، حيث تسعى الشركات إلى دعم نشاطات اجتماعية ورياضية للتخفيف من نسبة الضرائب، وتحصل على الدعاية بطريقة غير مباشرة. وأقرب مثال لذلك هو شركة «سيريتل» الراعية في سوريا.
ويضيف مروة دوراً لوزارة الشباب والرياضة والاتحاد لتشجيع الشركات على الدخول إلى أسواق كرة القدم، ذلك أن بعض الشركات يخشى من دعم فريق معين خوفاً من أن يتعرض للمقاطعة من قبل بعض المستهلكين، نظراً للانقسام السياسي الحاصل، وبالتالي فإن الاتحاد قادر على تحصيل الأموال من الشركات عبر رعايتها للدوري وتوزيعها على الأندية.
وعن السماسرة في الأندية، يؤكد مروة أنه لم تصادفه حالة في لبنان، على عكس الحال في بلدان عربية وآسيوية، حيث غالباً ما يكون لمدير النادي عمولة من الصفقة.
وعن فكرة الاستغناء نهائياً عن اللاعبين الأجانب في الدوري، يرى أن هذا ليس حلاً، ويرى الحل في تسويق اللعبة من خلال شركة متخصصة، ووضع نظام جديد عام للعبة الكرة. فمعظم الاتحادات الآسيوية تعمل لتكون جاهزة عام 2009، مع تطبيق نظام الاحتراف في آسيا، في حين أننا في لبنان نقف متفرجين.

شمخة: لا قيامة للعبة مع هؤلاء

ومن وكلاء اللاعبين هنا أيضاً اللبناني سمير شمخة، وهو متخصص باللاعبين البرازيليين، ويتحدث بحسرة عن كرة لبنان ونواديها التي يديرها هواة، مشيراً إلى أنه لا قيامة لها تحت إدارة هؤلاء القيّمين عليها في جميع نواحيها الرسمية وغير الرسمية.
ويرى شمخة الكذب اللبناني، حيث إن البعض بدل أن ينظر إلى من هم أعلى منه ليتفوّق، ينظر إلى من هم دونه فيسقط. فهناك دول مجاورة تتقدم علينا كثيراً، وأقرب مثال الكرة السورية التي تقترب من الاحتراف، بينما كرتنا تتراجع.
وعن مسألة اللاعبين الأجانب وحضورهم إلى لبنان، يستشهد شمخة بما حصل معه قبل أسبوعين، حين أحضر ثلاثة لاعبين برازيليين للعب في لبنان (ومنهم فابيو نونس الذي يخوض حالياً تجربة في البرتغال). فقد خاضوا أخيراً تجربة مع فريق لبناني، ولعبوا مباراة أمام فريق محلي آخر، وأبلغت إدارة الأول شمخة بأنها غير قادرة على تأمين الأموال، لكن إداريين في الفريق الآخر أُعجبوا بهم خلال المباراة وطلبوا تجريبهم، فالتحق اللاعبون بالتمارين، وتمرّنوا على ملعب رمل، وأُحضرت إليهم وجبات الطعام من المعلبات والأجبان والألبان، دون طعام رئيسي، في وقت الإفطار، رغم أنهم برازيليون غير صائمين. وبعد أن صرف النادي النظر عن التعاقد معهم، لم يرسلوا إليهم أي طعام، بل أرسلوا إفطاراً للاعب عربي، واستثنوا البرازيليين. وقال: هذا تصرّف مخزٍ من مسؤولين في نادٍ مدعوم مادياً (!).
ويورد الوكيل شمخة هذه الحادثة كمثال يتكرر في بعض النوادي، التي لا تملك المال للطعام، وتريد لاعبين أجانب. كما أن بعض رؤساء الأندية والإداريين يدخلون إلى النوادي بهدف الشهرة والدعاية والظهور في الإعلام. وعلى هذا الأساس، فإن الاستغناء عن الأجانب في الدوري أفضل لتوزيع المال على اللاعبين المحليين.
...هذه بعض الفصول من كرة لبنان، وجانب من جوانب مشاكلها وتخلّفها. فكيف يمكن حلّها ووضع قواعد وبرامج لتطويرها دون مؤتمر كروي عام بعيد من المصالح الشخصية والإهمال والارتجال؟