لم يحتج لويس إنريكه لأكثر من نحو 4 أشهر حتى يغيّر كل شيء في برشلونة. 4 أشهر كانت كافية أيضاً لتبديل المواقف والآراء تماماً إزاء مدرب «البرسا» الجديد. إذ لو عدنا إلى منتصف الموسم الحالي، وتحديداً في الفترة التي هبطت المشاكل فيها كالمطر على النادي الكاتالوني من عقوبة الاتحاد الدولي لكرة القدم بحرمانه التعاقدات لفترتي انتقالات إلى إقالة المدير الرياضي أندوني زوبيزاريتا جراء ذلك، وقبلاً لتراجع مستوى الفريق ونتائجه، فإن كلمات مثل «الفاشل» و»الضعيف القدرات» و»المدرب الذي لا يليق ببرشلونة» هي الأكثر ترداداً بحق إنريكه في المدينة الإسبانية وصحفها، وصولاً إلى توقعات بعدم استمراره طويلاً مع الفريق. حتى أن البعض لم يتوان عن طرح أسماء لخلافته.


الآن، بعد أشهر معدودة فقط، تبدو الصورة مختلفة كلياً في برشلونة، ويبدو إنريكه كـ»بطل» على قدر المسؤولية وكمدرب يعد بمستقبل كبير على مقعد بدلاء «البلاوغرانا»، يطمح رئيس الفريق جوسيب ماريا بارتوميو إلى تمديد عقده. بسحر ساحر قلّ الشامتون والمشككون والمنتقدون، وكثر المادحون والمصفّقون والشاكرون للرجل.
في حقيقة الأمر، ليس بقليل العمل الذي قام به إنريكه في هذه الفترة، أو قل منذ اللحظة التي قبل فيها تدريب فريق مثل برشلونة، خصوصاً أن التركة التي خلّفها سلفه الأرجنتيني جيراردو «تاتا» مارتينو كانت ثقيلة وفائضة بالخيبات والفشل، وخصوصاً أكثر لأن وصوله إلى برشلونة تزامن مع ارتقاء الغريم الأزلي ريـال مدريد إلى أعلى مستوياته بتتويجه بطلاً لأوروبا وزيادته النجوم في صفوفه.
يمكن القول هنا إن «الثقة» هي الكلمة الأولى والأهم التي زرعها إنريكه في برشلونة. تلك الثقة التي استرجعها الفريق منذ مطلع العام الجديد لينتفض على نحو غير مسبوق ويكتسح خصومه توالياً ويهزم ريـال مدريد في «كلاسيكو» الإياب، مستعيداً زعامة «الليغا»، مضافاً إليها الوصول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لملاقاة بايرن ميونيخ الألماني ونهائي كأس إسبانيا لملاقاة أتلتيك بلباو.


تخطى إنريكه كلاً من هيريرا وغوارديولا وكرويف بعدد الانتصارات في موسمٍ واحد



النتائج الكبيرة وآخرها ضد خيتافي القادم من مدريد بسداسية نظيفة، والتفوّق في مختلف البطولات وحدها تكفي للتأكيد أن إنريكه نجح على كافة المستويات في الإدارة الفنية لبرشلونة. تكفي هنا المقارنة بين هذا الموسم وسابقه بقيادة مارتينو للتأكد أكثر من ذلك.
صحيح أن «البرسا» يملك ثلاثياً مرعباً هو الأقوى هجومياً حالياً في العالم، أي الأرجنتيني ليونيل ميسي والأوروغواياني لويس سواريز والبرازيلي نيمار، لكن هذا لا يمنع أن إنريكه قام بعملٍ فني كبير، أولاً في القدرة على توظيف هؤلاء النجوم على النحو الصحيح والفعال، وثانياً على مستوى المنظومة البرشلونية ككل. هكذا، لا يمكن، أو من المجحف، القول إن وجود الثلاثي «أم أس أن» هو السبب وحده في النجاحات المنقطعة النظير للكاتالوني، بل إن إنريكه بدوره قدّم إضافة مهمة للفريق. فأن يصل «البلاوغرانا» إلى ما وصل إليه حتى الآن، فهذا يصبّ أولاً في مصلحة لاعبه السابق وكتأكيد بأنه مدرب ذو شأن، خصوصاً أن هذا كله تحقق في موسمه الأول مع الفريق، وما تعنيه البداية المليئة دوماً بالصعوبات والضغوطات، وكيف إذا ذلك في فريق مثل برشلونة وبعد موسم كارثيّ؟
نقاط كثيرة يمكن التوقف عندها مع «برشلونة إنريكه». على الصعيد الفني، تمكن إنريكه من ترك بصمته تحديداً في أسلوب اللعب الذي لا يعتمد فقط على صبغة «التيكي تاكا»، بل على الضغط الهجومي العالي وتطوير ناحية مهمة كانت مفقودة في الفريق وهي الكرات الثابتة، فضلاً عن تحسن الدفاع على عكس ما كان يُعتقد، إذ يكفي القول إن «البرسا» هو الأقوى في الخط الخلفي حالياً في «الليغا» بحيث لم تتلق شباكه سوى 19 هدفاً حتى الآن. وللمقارنة، فإن مرمى ريـال مدريد مثلاً تلقى 30 هدفاً، وأضف أن الفريق حافظ على نظافة شباكه في 29 مباراة في كافة المسابقات، بينما المحصلة كانت 21 مباراة مع مارتينو في الموسم الماضي و17 مباراة فقط في موسم 2012-2013 مع الراحل تيتو فيلانوفا.
وبالحديث عن الأرقام، تجدر الإشارة إلى أن إنريكه حقق رقماً لم يسبقه إليه أحد في تدريب برشلونة بوصوله لـ 44 فوزاً حتى الآن في موسم واحد، متخطياً هيلينيو هيريرا (40 فوزاً) مقابل 37 فوزاً لجوسيب غوارديولا و31 فوزاً للأسطورة يوهان كرويف.
والأهم من ذلك، أن إنريكه أعاد إلى برشلونة هيبته بين صفوة الفرق الأوروبية التي فُقدت تحديداً منذ السقطة التاريخية أمام بايرن ميونيخ 0-7 في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا موسم 2012-2013، ليعود «البرسا» الفريق الذي يخشاه الجميع و»القادم من كوكب آخر».
وبعيداً عن الجانب الفني والأرقام، فقد قدّم لنا إنريكه صورة المدرب صاحب الشخصية القوية الذي تمكّن من إجلاس ميسي ونيمار وسواريز على مقاعد البدلاء كل على حدة في بعض المباريات، وتحدثت الصحف عن مشاكل عميقة بينه وبين كل واحد من هؤلاء، إلا أنه في كل مرة كان ينجح في إيجاد الحلول والحفاظ على البيت الكاتالوني وكأن شيئاً لم يكن. فأن يفرض إنريكه شخصيته على نجوم بحجم هؤلاء وأن لا يبدو أمامهم بموقف الضعيف والمذعن، فهذا ليس بقليل على الإطلاق.
ما يجدر قوله هنا، أن من بين مكاسب برشلونة الكبرى في هذا الموسم هو إنريكه، حتى لو لم يتمكن من حصد أي من الألقاب الثلاثة التي ينافس عليها الفريق. لكن لنتخيل لو أحرز «البرسا» الثلاثية أو على الأقل لقب دوري أبطال أوروبا، عندها، بالتأكيد، سيصبح إنريكه «البطل المطلق» في برشلونة، أو الساحر الذي سيُنسي المدينة إرث ابنها جوسيب غوارديولا.