باعة على امتداد الطرقات، وآخرون يطوفون الشوارع، وسيارات مزيّنة بالاعلام، وشرفات تشبه السفارات، وشوارع اشبه بثكنات شاهدة على حروب الرايات.

هذا هو المشهد الذي اعتاده المقيمون في لبنان والزائرون له عند كل حدثٍ كبير في كرة القدم، وتحديداً خلال نهائيات كأسي العالم واوروبا. مشهدٌ كلاسيكي لم يسقط ابداً اقله طوال ربع قرنٍ من الزمن، لكن اليوم كل الامور تغيّرت ومع انطلاق "يورو 2016" لم تعد الشوارع هي نفسها ولم تعد المظاهر القديمة موجودة.
ومما لا شك فيه ان لبنان عرف طوال الاعوام العشرة الاخيرة فورة كبيرة على صعيد متابعة كرة القدم العالمية تحديداً، اذ نادراً ما تتواجد في مجلسٍ عام من دون ان تسمع اطراف حديث يتناول اللعبة الشعبية الاولى في العالم وانديتها وبطولاتها، ووصلت حدّة التنافس و"التزريك" الى اعلى مستوياتها، وخصوصاً مع هيستيريا مواقع التواصل الاجتماعي التي حملت معها الملايين الى صفحاتها الكروية.

الاوضاع الاقتصادية العامة أثّرت في مواكبة كأس اوروبا لبنانياً

لكن المشهد العام اللبناني في الاماكن العامة تغيّر 360 درجة، فاختفى الباعة، ولم تواكب السيارات الحدث الاوروبي، ومثلها الشرفات وحتى الاكثرية الساحقة من المقاهي.
مشهدٌ عام غريب يطرح العديد من التساؤلات حول الاسباب التي جعلت لبنان يبدو وكأنه خارج مزاج كأس اوروبا التي تشغل شريحة كبيرة من محبي اللعبة الذين ثاروا يوم أمس في كل مكان باحثين عن محطةٍ تلفزيونية تنقل اليهم المباراة الافتتاحية بين فرنسا ورومانيا.
واذ يمكن لمس حماسة كبيرة لهذا الحدث، فان المزاج العام متأثر بنقاطٍ عدة، منها في بداية الامر يرتبط بالباعة انفسهم، فهؤلاء لم يجدوا ان مسألة بيع الاعلام وما يخصّ المنتخبات الـ 24 المشاركة في العرس القاري امر مربح، وهذا ما يشير اليه ابو زياد (48 عاماً) الذي اعتاد التنقل بين منطقتي الجديدة والدورة عارضاً بسطته المليئة بكل ما يحتاجه المشجع، فيقول: "كأس اوروبا ليست مربحة مع عدم وجود الارجنتين والبرازيل رغم ان الاخيرة "تبهدلت" في المونديال الماضي".
لكن الاهم ما يهمس به الرجل بمن أن مضايقات جماعة البلديات هذه الايام اجبرت كثيرين على العدول عن فكرة عرض البضائع في الشارع، وهو السبب الرئيسي في عدم رؤية سيارات تحمل الاعلام الالمانية والايطالية والاسبانية والفرنسية وغيرها.
وهذا الامر ينسحب على شرفات المنازل، التي يمكن تناولها في النقطة الثانية، اذ ان تقاطع كأس اوروبا مع شهر رمضان المبارك، ابعد الاهتمام العائلي الجماعي بالكرة بعكس الماضي حيث كانت العائلة كلها تجتمع حول المباريات لا المسلسلات التي تسرق كل الاهتمام اليوم على حساب اي برنامجٍ آخر تعرضه الشاشات.
لكن ماذا عن المقاهي التي اعتادت عدم توفير اي اداة تسويقية لجذب الزبائن في شهر المونديال او "اليورو"؟
المرور على طول خط الروشة حيث تتلاصق المقاهي بالاحجام المختلفة يكشف الكثير، اذ لا ترى ملصقات ضخمة للاعبين النجوم تزيّن الواجهات، وقلّة هي المحلات التي وضعت بعض الاعلام، وهو امر يؤكده احمد (34 عاماً) المشرف على مقهى كبير اعتاد جمع عددٍ كبيرٍ من الناس حول الشاشة العملاقة التي يسدلها: "بصراحة، في الايام العادية نعرف زبائن مزاجيين، لذا لم نتشجع كثيراً على دفع اموالٍ لدواعٍ تسويقية لاننا لا نعلم مدى تجاوب الناس مع البطولة، وخصوصاً بعدما لمسنا تراجعاً في اقبالهم اخيراً، اضافةً الى ان الاجواء الرمضانية هي المسيطرة حالياً".
اما جاره فارس فيقول: "اوافق على هذا الكلام، فالوضع الاقتصادي رديء، لكننا حضّرنا انفسنا للمباريات عبر الاشتراك في القنوات الناقلة التي تفرض علينا مبلغاً كبيراً يختلف عن المبلغ الذي تدفعه في المنزل، وفي هذا الامر مخاطرة بحدّ ذاتها، اذ ان اي ليرة تدفعها في لبنان حالياً لا تعلم اذا ما كنت ستستردها".
اذاً هو الوضع الاقتصادي العام الذي اصاب حتى مشجعي كرة القدم الذين باتوا يوفّرون اموالهم للاشتراك في قناةٍ تلفزيونية بعد ارتفاع تكاليفها الى حدودٍ غير معقولة، او يوفّرونها لوجبةٍ رمضانية يفطرون عليها بدلاً من الافطار على الطبق الاشهى بالنسبة اليهم، اي مباراة اوروبية بين افضل منتخبات العالم.