دماء، جرحى، زجاجات وكراسٍ متطايرة، تخريب في الشوارع، اشتباكات بالأيدي وبكل ما يصل إليها، غاز مسيّل للدموع، كلاب تفرّق الحشود. هذه عناصر مشهد لما يمكن أن يحصل على هامش مباراة في كأس العالم أو كأس أوروبا في الشوارع القريبة من الملعب، وما حدث بالفعل قبل موقعة إنكلترا وروسيا في الجولة الأولى من مباريات المجموعة الثانية، عندما اشتبكت الجماهير الإنكليزية المتعصبة مع نظيرتها الروسية ومع الشرطة ومجموعات من سكان مرسيليا، لتكون الحصيلة 35 جريحاً، أحدهم ينازع الموت، وثلاثة في حالة الخطر و10 موقوفين. وهذا ما كان حديث العالم، حتى أنه سرق الأضواء من مباراة الفريقين نفسها التي انتهت بلا غالب أو مغلوب (1-1) والتي لم تسلم بدورها من اعتداء بعض الجماهير الروسية على نظيرتها الإنكليزية في المدرجات، حتى أن الصورة أبت إلا أن تكتمل منتصف الليل بمواجهات بين فرنسيين وجماهير من إيرلندا الشمالية في نيس.
التفلُّت من الضوابط والقانون، والسُّكر يؤديان إلى الشغب

في الواقع، هذه الصورة ليست جديدة، وهي تعاكس روعة اللعبة ورقيِّها، حيث إن جماعات من الموتورين تقلب المشهد الاحتفالي الجميل في خلال لحظات إلى درامي ودموي لا يمتّ إلى الرياضة بصلة.
الأمثلة كثيرة في هذا الإطار، ومنها الاشتباكات العنيفة التي حصلت بين الجماهير الإنكليزية نفسها والتونسية في فرنسا أيضاً خلال مونديال 1998. وبالحديث عن هذا المونديال، فقد اعتدى المشجعون الألمان بوحشية في مدينة لنس على الشرطي الفرنسي دانيل نيفل، ما أدى إلى كسر جمجمته ليصارع الموت فترة طويلة قبل أن ينجو منه في ما يشبه المعجزة.
ما هو واضح أن هذه الظاهرة العنيفة لا تمتّ إلى كرة القدم بصلة وإلى التعصب والانتماء إلى هذا المنتخب أو ذاك، بل إنها تنطلق في كثير من الأحيان من خلفية اجتماعية ترتبط بالمشجعين المشاغبين. وهنا، يقول هنري وينتر، الناقد الرياضي في صحيفة «ذا دايلي تيلغراف» البريطانية، أن بعض الأفراد يستمتعون باللذة العابرة في انخراط بعضهم في مناوشات مع بعضهم الآخر، من الاستهزاء بمشجعي الفريق المنافس أو السلطات، ويقول: «بعض ضيّقي الأفق يحاولون إثارة الضحك بخطف خوذة شرطي، وبعضهم معدوم من الأخلاق يلجأ إلى لكم حصان الشرطة. الحقيقة أن بعض هؤلاء الأفراد لا يصلحهم التقويم».
لكنّ الملاحظ أن كثيراً من هذه الجماعات لا تقوم بمثل هذه الأفعال في بلدانها حيث المباريات بالمئات على مدار السنة وليست محصورة بعدد صغير في بطولة على غرار كأس أوروبا، إذ على سبيل المثال، وبالحديث عن الجماهير الإنكليزية المتعصبة وما فعلته في مرسيليا، فإنها نفسها تبدو في أشد الانضباط في بلادها حيث لا تُسمع "ضربة كف" واحدة، والدليل على ذلك التصاق المدرجات بالملاعب هناك.
هذا يأخذنا إلى النقطة الأساسية التي تقود هؤلاء إلى الشغب خارج بلادهم، وهي تفلُّتهم من الضوابط والقانون حيث يكونون في حرية مطلقة للعبث والتخريب بالمحالّ والسيارات والاشتباك مع الجماهير الأخرى والشرطة.
ففي إنكلترا كانت هذه الأحداث شهيرة من "هوليغنز" الأندية في ما مضى، حتى عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر، عندما سنّت الحكومة البريطانية في عهدها قوانين مشددة تقضي بسجن مثيري الشغب ومن ينضم إلى هذه القواعد العنيفة من الجماهير. وقد نجحت هذه الخطط حتى اندثرت هذه الظاهرة بنسبة كبيرة جداً على الأراضي الإنكليزية.
كذلك لا يمكن إغفال نقطة ثانية أساسية، هي تأثير حالة السُّكر الشديد التي تكون عليها هذه الجماعات خلال اجتماعها لمؤازرة منتخب بلادها، حيث تخرج عن طورها وتتجه نحو الأفعال العنيفة، إضافة إلى التأثيرات الاجتماعية في نفوسها، وارتدادات الصراعات السياسية القديمة منها والجديدة، وحتى تلك الرياضية، التي من دون شك كانت حاضرة في أحداث مرسيليا، حيث لم ينسَ الروس اتهامات الصحف البريطانية لهم بالفساد بعدما خطفوا شرف استضافة مونديال 2018 من البلاد التي تعدّ مهد كرة القدم.
فعلاً هي ظاهرة مؤسفة ترافق البطولات الكبرى وتشوّه صورتها حيث يصبح الحديث عن عدد المصابين طاغياً على عدد الأهداف!