في كل بطولة كبرى تعود مسألة ترديد النشيد الوطني والتفاعل معه من اللاعبين لتظهر إلى العلن. تأخذ المسألة أبعاداً وطنية كتعبير عن مدى الانتماء إلى الوطن، لتصبح في كل مرّة محل جدل ونقاش.

مجدداً تكون العين مصوّبة على المنتخب الألماني أكثر من غيره لضمّه العديد من اللاعبين من أصول غير ألمانية، يلام بعضهم على عدم ترديد النشيد الوطني، ويأتي في مقدمهم النجم مسعود أوزيل الذي تعرض قبيل كأس أوروبا لهجوم من رئيسة "حزب البديل من أجل ألمانيا"، فراوكيه بيتري، حيث قالت لصحيفة "دي فيلت": "من المؤسف أن مسعود أوزيل الذي يعتبر من الأشخاص القدوة بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، لا يؤدي النشيد الوطني".
من جهته، دعا ماتياس روسله، رئيس برلمان ولاية ساكسونيا، وعضو الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه المستشارة أنجيلا ميركل، جميع لاعبي "المانشافت" إلى ترديد النشيد الوطني خلال "يورو 2016"، وقال لصحيفة "لايبتسغر تسايتونغ": "أنتظر أن يردد كل لاعب في المنتخب النشيد الوطني لأنه يلعب لألمانيا، كيفما كانت الأصول التي ينحدر منها"..

ليس هناك أيّ ارتباط بين الفوز وترديد النشيد الوطني

إلا أن أوزيل، وفي المباراة الأولى أمام أوكرانيا، لم يبال بهذا الانتقاد وبهذه الدعوة، وأصرّ على موقفه عدم ترديد النشيد لتكون الصورة مشابهة لما كانت عليه في مونديال 2014 وقبل ذلك في كأس أوروبا 2012، حينما تعرض أيضاً زميله سامي خضيرة لهجمة شرسة، فردّ معتبراً أن عدم ترديده النشيد لا يجعل منه "ألمانياً سيّئاً".
بطبيعة الحال هي مسألة حساسة طبعاً عندما يتعلق الأمر بالنشيد الوطني والانتماء إلى الوطن، ومن البديهي على كل لاعب يرتدي قميص منتخب بلاده أن يبذل كل ما يملك لإعلاء شأنه، لكن المبالغة في طرح مسألة ترديد النشيد لمآرب سياسية أو غيرها تجعل المسألة تحيد عن مسارها الحقيقي، إذ كما هو معلوم فإن الانتقاد الذي تعرض له أوزيل هو من حزب يميني متطرف معروف بسياسته المتشددة تجاه المهاجرين واستثمار أي فرصة للتصويب عليهم وإظهار عدم انتمائهم إلى ألمانيا.
ما يجدر قوله هنا أن عدم ترديد النشيد لا يعني عدم انتماء اللاعب إلى بلده، والدليل أن النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي تعرض في فترة سابقة لانتقادات حادة بسبب هذه المسألة ـــ وكان سببها الحقيقي طبعاً هو عدم تقديمه أداءً جيداً مع منتخب بلاده على غرار أدائه مع برشلونة الإسباني ــ حيث قال حينها: "كلنا نسمع النشيد الوطني، وكلّ منا يعيشه بالطريقة التي تناسبه. لست في حاجة إلى ترديده لكي أشعر به. المنتخب الأرجنتيني للركبي يبكي عندما يسمع النشيد الوطني، ولكننا لا نفعل ذلك. نحن نشعر به بطريقة أخرى وجيدة أيضاً".
ثمة مسألة أخرى وهي عدم الربط بين ترديد النشيد أو الانفعال الشديد في ترديده وتحقيق الفوز في الملعب. ففي عام 2012، وبعد فشل منتخب ألمانيا في تحقيق لقب كأس أوروبا بخسارته أمام إيطاليا 1-2 في نصف النهائي، أثارت وسائل الإعلام الألمانية الموضوع بتسليط الضوء على السبب الحقيقي الذي رأت أنه ضعف الانتماء الوطني لدى لاعبي "المانشافت"، لا سيما بعد رفض بعضهم ترديد النشيد الوطني أثناء عزفه قبل بدء المباريات.
وقارنت وسائل الإعلام حينها بين اللاعبين الألمان، وخصوصاً أوزيل ولوكاس بودولسكي وهما صامتان أثناء عزف النشيد، مع لاعبي إيطاليا الذين ردّدوا نشيدهم الوطني بحماسة شديدة، لكن الواقع أن "سكوادرا آتزورا" ردّد النشيد بالحماسة ذاتها في نهائي البطولة نفسها وخسر بنتيجة قاسية أمام إسبانيا 0-4، أما اللاعبون ذاتهم الذين لم يرددوا النشيد الألماني في "يورو 2012" فأعادوا الكرّة في مونديال 2014 وأحرزوا اللقب.