مخطئ من يقول بأن "يورو 2016" لم تفِ بوعودها أو لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب، رغم أن بعض المنتخبات والنجوم خيّبوا الآمال بمكان ما. لكن المشاهد الجميلة التي ستعلق في الأذهان كثيرة، فكانت الخلطة الأفضل باختلاط المهارات بدموع الاحتفالات وبالأهداف الرائعة أو بالتأهل التاريخي.

ومنذ اليوم الأول للبطولة بدأت هذه المشاهد تخطّ مساحةً لها في كتب ذكريات الأحداث الكبرى، فكان هدف ديميتري باييه الصاروخي في مرمى رومانيا أولها، لتنزل دموع النجم الجديد للمنتخب الفرنسي وتعكس حياةً صعبة عاشها عندما كان يعمل بائعاً في محل للملابس قبل أن تنطلق نجوميته التي لا يتوقّع أن تتوقف في وقتٍ قريب، وهو الذي يبدو الآن أحد أكبر نجوم العرس القاري.

7 مرات اهتزت الشباك في الوقت بدل الضائع للمباريات

ويقول الإنكليز إن أفضل شيء في اللعبة الشعبية الأولى في العالم هو عندما تجمع سحر الفوتبول مع الدموع، وهو ما فعله باييه على ساحةٍ تخرج الأفضل من أي لاعبٍ مهما عاناه سابقاً، والدليل كان القائد الألماني باستيان شفاينشتايغر الذي حضر في مشهدٍ سيعلق في الذاكرة أيضاً. "شفايني" الذي صارع الإصابة طوال الموسم مع فريقه مانشستر يونايتد الإنكليزي، أطلّ حاملاً شغفاً كبيراً للعب ولقميص بلاده، فدخل في الدقائق الأخيرة من المباراة الأولى أمام أوكرانيا ليوقّع على هدفٍ رائع.
وبالتأكيد ليست الأهداف الجميلة وحدها التي لا تسقط من الذاكرة، إذ هناك بعض المشاهد التي كانت قاسية على بعض الجماهير، منها تلك الأهداف القاتلة التي كانت سمة الدور الأول، والتي كانت كثيرة، إذ إن الشباك اهتزّت في الوقت المحتسب بدل الضائع وقبل صافرة النهاية بقليل، في 7 مناسبات، علماً أن الأهداف التي سُجلت في الربع الأخير من المباريات كان عددها 13 هدفاً، من أصل 69 هدفاً سُجلت في 36 مباراة.
ومما لا شك فيه، أن إنكلترا لن تنسى الهدف المتأخر للروس في مرماها، ما أفقدها صدارة المجموعة الثانية في وقتٍ لاحق، لتلاقي أيسلندا التي لن تنسى أيضاً كيف أوقفت أحد أفضل لاعبين اثنين في العالم، أي البرتغالي كريستيانو رونالدو، لتقف في نهاية المطاف أمام منتخبه في ترتيب المجموعة السادسة.
عموماً، كل منتخبٍ جديد أو صغير شارك في هذه البطولة لم يتركها من دون ترك أثرٍ لدى متابعيها، وذكرى في نفسه، تماماً على غرار ألبانيا التي حققت فوزاً أول تاريخياً على رومانيا، وربما ما زالت تحتفل به حتى الآن، رغم خروجها من دور المجموعات.
وبالحديث عن رونالدو، فهو كان من أكثر الأسماء التي جرى تداولها في الدور الأول، إذ بعيداً من أنه كان الأكثر تسديداً بين كل اللاعبين، على سبيل المثال، فإنه كان الأكثر تعرضاً للانتقادات، رغم هدفيه اللذين حملا البرتغال إلى دور الـ 16، ولو من الباب الضيّق. "الدون" الذي خيّب الآمال في أول مباراتين، ترك أثراً سلبياً أكثر بتصرفاته خارج أرض الملعب عبر كلامه المسيء إلى أيسلندا، ثم عبر تعرضه لصحافي برميه لمذياعه في بركة مياه، رافضاً الحديث معه.
لكن داخل الملعب كان هناك رجلٌ آخر لقي انتقادات بحجم تلك التي عرفها رونالدو، لكن بطريقة ساخرة، هو مدرب منتخب ألمانيا يواكيم لوف، الذي دفع حتى "الملك" الفرنسي إيريك كانتونا إلى الحديث عن وضعه يديه في بنطاله متفحصاً نفسه، في مشهدٍ غير اعتيادي في عالم الكرة.
لكن وضع لوف في هذا الموقف المحرج قد يكون أقل إحراجاً مما عرفه مدربون آخرون في البطولة، منهم مدرب بلجيكا مارك فيلموتس الذي لم يعرف مدرب في العصر الحديث هجوماً من صحافته المحلية عليه بالشكل الذي حصل معه، وتحديداً بعد المباراة الأولى أمام إيطاليا، حيث لم يعرف توظيف مجموعته المليئة بالنجوم، قبل أن يتدارك الوضع لاحقاً. وفيلموتس كان متوقعاً منه الكثير تماماً كالمدرب الآخر الذي بدا محرجاً أمام صحافة بلاده، وهو الإنكليزي روي هودجسون الذي انتظر منه العالم تقديم منتخبٍ قوي بعدما ظهر بهذه الصورة في التصفيات وفي المباريات الودية، لكن فجأة تغيّر الأسلوب، وبدا منتخب "الأسود الثلاثة" أشبه بمنتخبٍ عادي.
لننسَ السلبيات ولنتحدث عن بعض الإيجابيات في ما خصّ الأسماء. لفت تعليق للدولي الإنكليزي السابق لي ديكسون ليصف مدى روعة أداء النجم الإسباني أندريس إينييستا، إذ قال: "إذا مُنحت نعمة التمتع بقدرات خارقة ليومٍ واحد، فلن أطلب أن أكون غير مرئي أو أن أطير، بل أطلب أن أكون إينييستا". "الرسام" كان رائعاً بالفعل منذ المباراة الأولى لبطل أوروبا أمام تشيكيا، حيث سحر الجميع بمهاراته وتمريراته المهندَسة.
اسمٌ آخر يمكن أن يترك البطولة عظيماً، وقد يمحو كل ما فعله إينييستا حتى الآن، وهو مدرب إيطاليا أنطونيو كونتي الذي إذا رأيت كيفية تحرك رجاله على أرض الملعب ككتلة واحدة تدرك السبب لاعتبار إيطاليا أحد أبرز المرشحين للقب، رغم أنها لا تضمّ نجوماً كباراً كما درجت عليه العادة. هو ببساطة يعود لزرع الثقافة الإيطالية القديمة في اللعبة حيث الدفاع الصحيح هو المفتاح الأول لكل شيء، ولكي نتأكد من هذا الأمر علينا أن نتذكر سويّاً التمريرة الرائعة لقلب الدفاع ليوناردو بونوتشي إلى إيمانويلي جاكيريني الذي سجل أول أهداف الطليان في البطولة.