لا شك في أن من تابع الانباء السياسية البريطانية طوال الشهر الاخير في موازاة متابعته لانطلاقة كأس اوروبا، شعر بالتوجهات البريطانية لقبول فكرة الخروج من الاتحاد الاوروبي. وهذا الامر ثبت من خلال ارتفاع مستوى التوتر بين المشجعين البريطانيين الذين وصلوا الى فرنسا وأولئك الآخرين الذين تواجهوا معهم في الشوارع والساحات والمدرجات.

وهنا لا يرتبط الحديث بالمشاكل وأعمال الشغب التي حصلت، بل بأمورٍ أخرى متصلة بكرة القدم، تركت عند أبناء بريطانيا اقتناعاً بضرورة ترك أقرانهم الاوروبيين والسير في طريقهم.
أول هذه الامور كان شعور القادمين من الجزيرة البريطانية بالكره من قبل كل من التقاهم في شوارع باريس ومرسيليا ونيس وغيرها من المدن الفرنسية المستضيفة للبطولة، إذ لا يخفى أن المشجعين البريطانيين لم يلقوا يوماً قبولاً أو ترحيباً في أي بلدٍ ذهبوا اليه للحاق بأنديتهم ومنتخباتهم بهدف تشجيعها. هؤلاء وُصفوا دائماً بأبشع الاوصاف، واتُّهموا بالتخريب والعبث بأمن البلاد وتشويه صورة الفوتبول.

نتائج المباريات تغيّر من مزاج المصوّتين في أي استفتاء أو انتخابات

وهذه النقطة تأخذنا الى الحديث عن التأثير البسيكولوجي للأجواء التي عاشها البريطانيون ونتائج منتخباتهم الاربعة الموجودة في "يورو 2016"، أي إنكلترا وويلز وجمهورية ايرلندا وايرلندا الشمالية، التي عبرت كلّها الى دور الـ16. وهنا مغزى الكلام الذي تقدّم، إذ إن كل الدراسات القديمة والجديدة التقت عند نقطة تقول إن نتائج المباريات الكروية تغيّر من مزاج المصوّتين في أي استفتاء أو انتخابات. وهذه المسألة كانت حاضرة في حملات الكثير من الرؤساء، وخصوصاً الديكتاتوريين منهم، حيث أعطوا دائماً اهتماماً بالرياضة وبالتفوّق ليربطوه بنجاحاتهم، وبالتالي ليحصلوا على تأييدٍ جديد من شعوبهم حيث الشريحة الاكبر العاشقة للرياضة على أنواعها، وكرة القدم على وجه التحديد.
اليوم كانت "يورو 2016" أداة مساعدة لمن طلب التصويت للخروج من الاتحاد الاوروبي، إذ إن نتائج المنتخبات البريطانية أعطت المشجعين والشعب شعوراً لاإرادياً بأنهم يتفوقون على أقرانهم الاوروبيين في مجالات عدة، ومنها الكروي، الذي يأخذ حيّزاً كبيراً من حياة سكان بريطانيا. والنتائج الايجابية غالباً ما تحسّن مزاج الناس، وتقوّي فيهم الشعور الوطني عندما يرتبط الامر بالمنتخبات، بينما تعكس الهزائم مزاجاً معاكساً تماماً؛ فإذا أخذنا مثلاً فشل هذا المنتخب أو ذاك، ترى الناس يصوّتون للتغيير الداخلي قبل الخارجي في أي استفتاء يحصل...
حملة "بريكست" للخروج كانت حاضرة بقوة في "اليورو"، ولو بطريقة غير مباشرة أو مقصودة، فهذه البطولة رفعت من منسوب التوتر الحاصل أصلاً بين بريطانيا وكبريات دول أوروبا، ولا يستبعد أن تكون أحد الاسباب التي أطلقت شرارة إشكالات كثيرة ومواجهات مع الشرطة الفرنسية، وسط امتعاض الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من التوجهات البريطانية.
نعم تأثير كأس أوروبا كان حاضراً في عملية التصويت على الخروج، إذ لا يمكننا إسقاط الارقام الرهيبة التي حصدتها مشاهدة مباريات المنتخب الانكليزي على سبيل المثال في بريطانيا، حيث شاهد أكثر من 14 مليون بريطاني المباراة الافتتاحية لمنتخب "الأسود الثلاثة" أمام روسيا، وهو رقم حطّم كل الارقام التلفزيونية لهذه السنة.
رفعت اليورو من
التوتر بين بريطانيا وكبريات دول أوروبا

من هنا، شعر الرافضون للخروج من الاتحاد الاوروبي بحجم الضربة التي أصابتهم جراء طرح استفتاء من هذا النوع خلال كأس اوروبا، حيث تعزز عدد المناهضين للأوروبيين الآخرين ضمن المنافسة الحادّة معهم على أرض الملعب. وهذه النقطة ستكون درساً للسياسيين في المستقبل بضرورة معرفة توقيت استفتاءاتهم ومدى أهمية شعب الكرة في ترجيح كفتهم أو خربطة حساباتهم.
المهم أن بريطانيا خرجت، وبخروجها ستتأثر كروياً بشكلٍ كبير، وتحديداً الاندية التي باتت تقف أمام عوائق عدة لم تكن تواجهها سابقاً، أهمها ارتفاع أسعار اللاعبين المسعرين بالعملة الاوروبية، اضافةً الى عدم قدرتها على استقدام المواهب الصغيرة الى صفوفها، حيث سيحتاج أي لاعب الى تصريح عمل للانتقال الى أحد الانكليزية. وهذه المسألة عطّلت انتقال مئات اللاعبين الى الدوري الانكليزي الممتاز مثلاً لعدم استيفائهم الشروط، إذ يتمّ تصنيف اللاعبين في انكلترا بحسب مستوى مسيرتهم ومبارياتهم الدولية. لذا تخيّلوا أن لاعباً مثل نجم كأس اوروبا حالياً الفرنسي ديميتري باييه لم يكن ليحصل على تصريح عمل للعب في بريطانيا، والامر عينه ينطبق على مواطنيه النجمين الصاعدين انطوني مارسيال ونغولو كانتي، وقبلهم أسماء كبيرة أخرى على رأسها النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي انتقل الى مانشستر يونايتد عام 2003.
السؤال الآن هل سيترك هذا الخروج تأثيراً سلبياً على كأس أوروبا 2016؟
الجواب نعم، لا محالة، إذ إن منسوب العصبية الوطنية والتوتر بين منتخبات وجماهير البلدان التي ستواجه نظيرتها البريطانية، ابتداءً من اليوم في دور الـ16، بات قريباً من الوصول الى الخط الاحمر.