إنكلترا صيف 1996. الألماني أوليفر بيرهوف يرتقي إلى الكرة عالياً ويتابعها في شباك تشيكيا. وفي لقطة ثانية في المباراة ذاتها، بيرهوف يلتف على نفسه ويسدد الكرة في المرمى التشيكي لتحرز ألمانيا لقب كأس أوروبا.

بلجيكا وهولندا صيف 2000. الفرنسي دافيد تريزيغيه يسدد الكرة "على الطائر" رائعة ويرسلها إلى شباك إيطاليا لتحرز فرنسا لقب كأس أوروبا.
النمسا وسويسرا صيف 2008. الإسباني فرناندو توريس يتجه نحو المرمى متخطّياً فيليب لام ويسدد الكرة في شباك ألمانيا، لتحرز إسبانيا لقب كأس أوروبا.
ثلاث لقطات لتتويجات ثلاثة منتخبات مختلفة في "اليورو" لكن القاسم المشترك بينها أن الذين قادوها إلى الفوز هم مهاجمون صريحون. مهاجمون رقم 9 كانت لهم الكلمة العليا وكانوا يشكلون مصدر القوة والخطورة نظراً إلى قدراتهم الكبيرة على الحسم.
لكن الأمور تبدلت كلياً اليوم. لم تعد الكلمة وحدها لهؤلاء، لا بل خفتت كثيراً حتى تكاد تنعدم. الأرقام في دور المجموعات في كأس أوروبا الفرنسية تظهر ذلك بوضوح، عكس ما كانت تشير إليه التوقعات.

الأجنحة والتغيير التكتيكي والتكتلات الدفاعية أثّرت على فاعلية المهاجم الصريح

ولكي نختصر المشهد، يكفي القول إنه في ترتيب الهدافين في المركزين الأول والثاني، واللذين يقف فيهما العديد من اللاعبين، لا يوجد إلا مهاجمان رقم 9 هما الإسباني ألفارو موراتا في الصدارة التي يتشاركها مع الجناح الويلزي غاريث بايل بـ3 أهداف، والبلجيكي روميلو لوكاكو في المركز الثاني بهدفين بينما المهاجم الروماني بوغدان ستانكو مسجل هدفين ودّعت بلاده البطولة، وأصلاً فإن هدفيه مسجلان من ركلتي جزاء، فيما البقية في اللائحة هم لاعبو وسط، وتحديداً أجنحة، مثل البرتغالي لويس ناني والفرنسي ديميتري باييه والكرواتي إيفان بيريسيتش.
وبالحديث عن الأجنحة فإنهم يمثلون أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع دور المهاجم رقم 9، إذ إن المدربين باتوا يعتمدون على أجنحة سريعة على غرار بايل وبيريسيتش وناني باتت مهمتهم تتعدى التمرير للمهاجم الصريح، إلى الاختراق والتسجيل عبر مباغتة خط الدفاع، وهذا ما يقلل من وصول الكرات إلى المهاجم.
ومن ثم فإن منتخبات أخرى لجأت تكتيكياً إلى إطاحة المهاجم الصريح رقم 9 كلياً، لتستبدله بالمهاجم الوهمي، على غرار منتخب ألمانيا تحديداً باعتماده على لاعب الوسط ماريو غوتزه في المقدمة مع تبادله الأدوار مع توماس مولر. صحيح أن يواكيم لوف لجأ إلى المهاجم الصريح ماريو غوميز في المباراة الأخيرة في دور المجموعات أمام إيرلندا الشمالية، لكن هذا الأمر حصل على قاعدة "مجبر أخوك لا بطل"، إذ إن غوتزه لم يكن في فورمته على الإطلاق في المباراتين الأوليين، كذلك فإن الجناح جوليان دراكسلر لم يقدم ما كان مأمولاً منه، فضلاً عن غياب النجم ماركو رويس، الأمر الذي كان سيسمح لمولر بشغل مركز المهاجم، علماً بأنه في المباراة المذكورة نجح غوميز في تسجيل هدف، لكنه أضاع غيره بسهولة، وبالطبع يبقى وجوده محل قلق.
وبين هذا وذاك، فإن التكتلات الدفاعية عطّلت المهاجمين رقم 9 كلياً، وهنا يبرز العديد من الأسماء التي كانت لقمة سائغة للدفاع بعد أن كان يتوقع أن تسجل كمّاً وافراً من الأهداف، إلا أنها لم تنجح في تسجيل ولو هدف واحد.
الحديث هنا طبعاً هو عن هاري كاين الذي قدّم أداءً مخيّباً تماماً مع منتخب إنكلترا، حيث ندرت فرصه على المرمى لا بل حتى انعدمت، ليلجأ المدرب روي هودجسون إلى الخيار الثاني المتمثل في جايمي فاردي، وأيضاً هناك البولوني روبرت ليفاندوفسكي الذي اختفى تماماً في دور المجموعات وشكل أداؤه مفاجأة لكثيرين، حتى وصل الأمر بمدربه آدم نافالكا إلى إطلاق التصريحات لتشجيعه واستعادته ثقته بنفسه بعد أن كان مرعباً للحراس. وحذا حذو ليفاندوفسكي الكرواتي ماريو ماندزوكيتش قبل تعرضه لإصابة أبعدته عن المباراة الأخيرة أمام إسبانيا، وختاماً يبرز السويدي زلاتان إبراهيموفيتش الذي لم ينجح في توديع البطولة ومنتخب بلاده ولو بهدف واحد، لا بل الصادم أنه لم يسدد إلا كرة واحدة فقط على الخشبات الثلاث في 270 دقيقة!