هو الأفضل، هو الملهم، هو الأسطورة، هو الأقوى، هو الأكثر تميّزاً، هو الأروع... إذاً هو المسؤول!

ليونيل ميسي سبب المتعة في العصر الحديث والالفية الجديدة في عالم كرة القدم. الساحر الارجنتيني هو السبب أيضاً في كل النجاحات التي حققها فريقه برشلونة الاسباني في الاعوام العشرة الاخيرة. هو السبب أيضاً في جعل منتخب الارجنتين مجدداً أحد المنتخبات التي يحبّ كارهوه قبل مشجعيه حضور مبارياته... لكن ليس بعد الآن.
"ليو" أراد أن يكون هو السبب هذه المرّة، لا السبب في الفوز بهذه المباراة أو تلك، أو السبب في تسجيل منتخب "راقصي التانغو" هدفاً رائعاً، بل أراد أن يكون السبب في ما أجمع عليه كثيرون، أي السبب في عدم إحراز الارجنتين للقبٍ طال انتظاره، على اعتبار أن من المفترض أن يكون السبب في حمل الكأس المئوية للبطولة القارية لكنه لم يقدر على فعلها.

لولا ميسي لما وصلت الارجنتين الى أي نهائي

احتاجت الارجنتين الى ميسي أكثر مما احتاج اليها، لكنها بصحافتها السيّئة وإدارة اتحادها غير الموجود أصلاً، قتلت متعة الـ"ألبيسيليستي" عندما قرر "ليو" الاعتزال دولياً، بعد الاساءات الكثيرة التي وُجّهت اليه، وبعد الضغوط الهائلة التي وضعت على كاهله، في وقتٍ يتحمل فيه الكل ربما سبب عدم حصد الارجنتين للمجد إلا ميسي.
صحيح أن ميسي أصيب باليأس، ومعه مجموعة من المواهب التي قيل إنها تركت الساحة الدولية أيضاً لشعورها بالخيبة الكبيرة، لكن كل هؤلاء يمكنهم أن يحمّلوا أنفسهم المسؤولية ما عدا ذاك القائد الذي قيل إنه ليس بحجم الشارة التي يحملها.
هل نحمّل المسؤولية لميسي في وقتٍ يقف فيه هيغواين في ثلاث مباريات نهائية متتالية (نهائي المونديال ثم نهائي كوبا اميركا 2015 و2016)، أمام المرمى لتسجيل أسهل الاهداف في مسيرته المليئة بالاهداف الخرافية، لكنه يهدر الفرصة بطريقة غريبة، مؤكداً أنه لاعب يستسلم لضغط المباريات الكبيرة فيفقد تركيزه؟
أم نحمّل المسؤولية لميسي بدلاً من تحميلها لمن اتخذ قرار تعيين دييغو ارماندو مارادونا في منصب المدرب في المونديال قبل الماضي، فخرج العالم ليقول إن "البرغوث" لم ينجح في قيادة منتخبه الى اللقب تماماً كما فعل "الولد الذهبي" عام 1986، وهو الذي فشل فشلاً ذريعاً كمدرب؟
لكن لماذا لا يتمّ تحميل المسؤولية الى المجموعة الارجنتينية كاملة؟ طبعاً قد يأتي الجواب بأن الاساطير الذين ينتمي اليهم ميسي عليهم فعلها وحدهم. لكن هذا الكلام هو كلام الماضي الغابر بحيث ان كرة القدم اليوم هي لعبة جماعية اكثر من اي وقتٍ مضى. لننظر الى المنتخب الالماني ونقتنع بهذه المقولة. في "المانشافت" لا يوجد لاعب بربع قدرات ميسي، لكن الالمان هم أبطال العالم على حساب الارجنتين نفسها.
إذاً ميسي هو آخر من يتحمّل المسؤولية، لأنه لولاه لما وصلت الارجنتين في عهدها الحالي الى أي نهائي، إن كان في المونديال أو في كوبا أميركا. ولولاه لما عرف المنتخب الارجنتيني الطريق إلى الوقوف بين كبار منتخبات العالم.
ميسي آخر من يتحمّل المسؤولية حتى لو أهدر ركلة ترجيح، وهو الامر الذي أصاب كثراً من النجوم الكبار، فهو حتى في هذه الدعسة الناقصة سيترك مشهداً في ذاكرة التاريخ تماماً كذاك الذي تركه الايطالي روبرتو باجيو في نهائي مونديال 1994.
أقل ما يقال بعد كل ما فعله ميسي طوال تلك الاعوام إن اللاعب الكبير لا يُعيّر بعدد الالقاب مع منتخبه حصراً، فهو فعل ما هو أصعب من إحراز لقب بطولة مثل كوبا اميركا، إذ الى جانب كراته الذهبية وألقابه الفردية، جمع 30 لقباً في آخر 10 أعوام، وهو رقمٌ يفوق ما جمعته أكبر أندية اوروبا مجتمعة، إذ يكفي القول إنه في نفس الفترة الزمنية أحرز ريال مدريد العظيم مثلاً 8 ألقاب فقط.
حسناً، إذا كان اللقب المونديالي أو القاري مع المنتخب يعني أن اللاعب هو عظيم فعلاً، معنى ذلك أن الايطالي فابيو غروسو بطل مونديال 2006، والاسباني كارلوس مارشينا بطل مونديال 2010، والالماني كيفن غروسكرويتس بطل مونديال 2014، وغيرهم الكثيرين هم أفضل من ميسي فقط لأنهم فازوا بكأس العالم!
موهبة ميسي أكبر من كل الالقاب، وهدفه في مرمى الولايات المتحدة في كوبا اميركا أجمل من كل الكؤوس. هو الاسطورة الحيّة الوحيدة في عالم الرياضة، وهو الذي سيستجديه الارجنتينيون بإدارييهم وصحافتهم الفاسدة للعودة من أجل صناعة أفراحهم، حيث سيكون في مقدورهم مستقبلاً أن يخبروا أبناءهم وأحفادهم أنهم عاشوا في زمن أسطورة اسمها ليونيل ميسي. أسطورة لا تتوقف عند لقبٍ او كأس، بل تعكس موهبة إلهية لا تُمنح إلا لمن حصل على بركة لمسة سماوية.