كانت دموع ذاك الفتى الإنكليزي لخروج منتخب بلاده أمام ايسلندا من دور الـ 16 لكأس أوروبا مؤثرة تماماً كما كانت الفرحة الجنونية للمدرب الإيطالي أنطونيو كونتي بإقصاء إسبانيا معبرة مثلها مثل فرحة حارسه جيانلويجي بوفون وهو يقفز على العارضة. هكذا لم يخلو دور الـ 16 من المشاعر التي تعكس الأحداث فرأينا الدموع هنا والفرحة العارمة هناك.

إنكلترا ذرفت الدموع كثيراً بعد خروجها المذل أمام ايسلندا على نحو لم يكن يتوقعه أحد وخصوصاً أن منتخب "الأسود الثلاثة" كان من أبرز المرشحين للقب بعد خوضه تصفيات مميزة أنهاها بالعلامة الكاملة من دون أي خسارة. مجدداً يفشل الإنكليز في بطولة كبرى ولا يستطيعون الوصول إلى نصف النهائي منذ كأس أوروبا التي استضافوها على أرضهم عام 1996. يمكن القول إنها باتت عقدة تلازم الإنكليز لكن هذا لا يمنع من أن مدربهم روي هودجسون على وجه الخصوص ارتكب أخطاء أدت إلى الخروج وتتمثل في إصراره على هاري كاين رغم أنه ظهر جلياً عدم توفيقه في هذه البطولة وعدم إعطاء الفرصة كاملة للخطير جايمي فاردي، وهذا ما ينطبق على الموهوب السريع ماركوس راشفورد حيث ظهر واضحاً الفرق الكبير عند دخوله في الدقائق الأخيرة أمام ايسلندا إذ شكل خطورة كبيرة إلا أن الوقت لم يسعفه، أضف إلى رهان المدرب في الوسط على جاك ويلشير الذي قضى أغلب الموسم الماضي مع أرسنال مصاباً. وهذه النقطة تأخذنا إلى المعضلة الأساسية للمنتخب الإنكليزي بعدم عثوره على مدرب قادر على إدخال فكر تدريبي جديد يتماشى مع التطور والحداثة إذ تغلب على منتخب "الأسود الثلاثة" الصورة النمطية والتقليدية التي تختفي أحياناً لكن سرعان ما تعود.

باستثناء خسارة إنكلترا أمام إيسلندا عاد الكبار للتفوّق على الصغار

أما على المقلب الآخر، فإن ما حققته ايسلندا يؤكد مرة أخرى أن الكرة تعطي من يعطيها، إذ إن هؤلاء اللاعبين غير المعروفين قدموا أداء بطولياً وقتالياً مميزاً والأهم أنهم لم يهابوا منتخباً بحجم إنكلترا فتمكنوا من مجابهته وإقصائه.
اذاً لم يبخل علينا دور الـ 16 بمفاجأة من العيار الثقيل، لكن في المقابل برزت فيه نقطتان أخريان وهما عودة الأمور إلى نصابها بتفوّق الكبار على الصغار على عكس ما كانت عليه الصورة في دور المجموعات وتحديداً في المجموعة السادسة التي تصدرتها المجر أمام ايسلندا فيما جاءت البرتغال ثالثة، أضف إلى ارتفاع النسبة التهديفية بتسجيل 17 هدفاً في المباريات الثماني بمعدل 2,1 هدف في المباراة الواحدة وهذا طبيعي نظراً للفوارق التي بدت واضحة بين منتخبات وأخرى مثل بلجيكا والمجر (4-0) من جهة وألمانيا وسلوفاكيا (3-0) من جهة ثانية.
وبطبيعة الحال فإن نتيجتي ألمانيا وبلجيكا تُظهران أنهما من الأقوى والأكثر ثباتاً حتى الآن في "اليورو" الفرنسي حيث تحملان سمات البطل الذي سيقف متوجاً في ملعب "سان دوني" في العاشر من الشهر المقبل، ومن يعلم فقد تكونان طرفي المباراة النهائية؟
لكن ليست ألمانيا وبلجيكا وحدهما القويتين، بل إن إيطاليا أظهرت أنها لا تقل قوة أيضاً ويكفي أنها أطاحت حاملة اللقب إسبانيا مقدمة أداء مميزاً ليس فقط على المستوى الدفاعي الذي تشتهر به بل هجومياً أيضاً على عكس ما كان متوقعاً، لتعطي انطباعاً بأن مباراتها في ربع النهائي أمام ألمانيا ستكون "شرسة" على ما وصفها مدرب الأخيرة يواكيم لوف.
أما إسبانيا فيكفي القول انها أمام نهاية جيل وحقبة المدرب فيسنتي دل بوسكي حيث تحتاج إلى تجديد على كافة المستويات.
يبقى أن فرنسا لا تزال غير مقنعة على الإطلاق وهي تعتمد على المهارات الفردية للاعبيها المتمثلة إما بديميتري باييه أو أنطوان غريزمان وقد ابتسم لها الحظ أيضاً حيث وضعها أمام ايسلندا بدلاً من إنكلترا في ربع النهائي لتواصل مشوارها في البطولة من دون اختبار قوي (من دون التقليل طبعاً مما يقدمه المنتخب الايسلندي لكن تبقى مواجهة فرنسا وإنكلترا مختلفة)، وهذا ما ينطبق تماماً على البرتغال التي نجت من براثن كرواتيا في الوقت القاتل، بينما أن منتخبي ويلز وبولونيا يواصلان كتابة تاريخهما في كأس أوروبا ومجرد وصولهما إلى ربع النهائي يكفي للقول إنهما نجحا.
لكن الأجمل في دور الـ 16 كان الهدف الأكروباتي الذي سجله السويسري شيردان شاكيري في مرمى بولونيا الذي يكفي للقول ان هذا الدور كان على مستوى التطلعات وإنه مثّل الإنطلاقة الفعلية لـ "يورو 2016".