هي تلك المشقة القديمة التي عرفتها المانيا دائماً امام ايطاليا، لكنه الفوز الذي كان اكثر من مستحق للالمان ليعبروا من خلاله الى الدور نصف النهائي في "يورو 2016".

كانت تعلم المانيا قبل المباراة ان كعبها اعلى من ايطاليا في هذه البطولة، وايطاليا نفسها كانت تعلم هذا الشيء ايضاً. من هنا، ذهب الالمان منذ الدقيقة الاولى للقول نحن موجودون، مظهرين شخصية قوية جعلتهم يؤكدون ان الترشيحات التي صبّت في مصلحتهم كانت قوية. لكن هنا ايضاً كان يُحسب لايطاليا ما ظهرت به، اذ ان احترامها لالمانيا لا اكثر جعلها تقدّم مباراة على مستوى عالٍ جداً، وتحديداً على الصعيد التكتيكي في الشق الدفاعي.
عرف الايطاليون ان الالمان يشبهون الاسبان بمكانٍ ما، فذهب الداهية انطونيو كونتي الى اعتماد خطة تعدّ بمثابة السيف ذي الحدين. هو اوعز الى لاعبيه بالضغط العالي الذي بدأ من مشارف منطقة الجزاء الخصم، لكي يمنع الالمان من استلام الكرة والتصرّف بها، وهم الذين يعدّون الفريق الاكثر استحواذاً في البطولة، اضافةً الى دقة تمريراتهم التي وصلت نسبتها الصحيحة الى 90% في مباراة السبت حيث اكمل "المانشافت" 303 تمريرات صحيحة اكثر من الطليان (734 مقابل 431).
خطة كونتي هذه نجحت في البداية، لكنها تركت ذيولها في النصف الثاني من اللقاء فكان مسعود اوزيل حاضراً لتسجيل الهدف الافتتاحي بعد سلسلة تمريرات مرهقة ضمن ردّ يواكيم لوف على نظيره الايطالي طالباً جعل "الآزوري" يركض وراء الكرة بهدف ارهاقه اكثر فأكثر. وهذا الامر بدا جليّاً بعد التمديد الذي جاء اثر تسجيل ليوناردو بونوتشي هدف التعادل من ركلة جزاء حصلت عليها ايطاليا بعد لمسة يد ساذجة من جيروم بواتنغ.
الواقع ان ايطاليا لم يكن بمقدورها التسجيل في هذه المباراة سوى من هذه النقطة لان الالمان دافعوا بطريقةٍ ذكية ايضاً واغلقوا العمق بواسطة الصاحي ماتس هاملس الذي سيفتقده لوف كثيراً في نصف النهائي بسبب الايقاف. وعند هذه النقطة ظهر كونتي طالباً في مستهل الشوط الثاني توسيع الملعب والتركيز على طرفيه، وتحديداً ضرب الالمان على خاصرتهم الضعيفة اي الجهة اليمنى حيث وُجد الحاضر - الغائب بينيديكت هوفيديس وبعدما أُرهق جوشوا كيميش بسبب تأمينه التغطية اللازمة للاول والانطلاق من دونه في الهجوم ما اتعبه كثيراً.
لكن احداً لم يكن متعباً كاللاعبين الايطاليين ما جعلهم يلجأون الى الضرب والركل، وحتى اضاعة الوقت في الشوطين الاضافيين. هم علموا اصلاً بأنه لن يكون بمقدورهم مجاراة الالمان اصحاب اللياقة البدنية الرهيبة في هذا اللقاء، ولو ان ما يعيب لاعبي "الآزوري" كان عدم تحليه بالجرأة لمهاجمة منطقة مانويل نوير بعد الجرعة المعنوية الكبيرة التي حصلوا عليها اثر تسجيلهم هدف التعادل، حيث انكفأوا الى الخلف وكأنهم يعترفون بعجزهم امام خصمهم.
بصراحة، هم محقون فالألمان كان بمقدورهم الخروج اقله بثلاثية نظيفة لولا الانقاذ الخرافي لأليساندرو فلورينزي من تسديدة توماس مولر، وتلك المحاولة لماريو غوميز على مسافة قريبة من المرمى. وهذا الامر عرفه رجال لوف الذين كانوا ممتعضين من اضاعة خصمهم للوقت وبدوا جائعين لفكّ ما سُمّيت العقدة.
لكن عن أيّ عقدة نتحدث هنا؟ لم يشعر الالمان بأي عقدة خلال هذه المباراة، ربما لان الفارق بالمستوى كان كبيراً بين منتخبٍ يعجّ بالنجوم وآخر ركّبه كونتي وفق امكاناتٍ محدودة لدى كل واحدٍ من افراده. لذا، كان لا بدّ ألا يجد الطليان سبيلاً الى الفوز إلا من خلال جرّ الالمان الى ركلات الترجيح. هم كانوا محقين في هذه الفكرة ايضاً، اذ لديهم ذاك الحارس غير العادي، جانلويجي بوفون، الذي ارتمى على غالبية الركلات الالمانية...
ايطاليا اكدت في هذه المباراة أن لاعبيها يتعلمون دروس الدفاع عند ولادتهم، لو على حساب المتعة، والمانيا اكدت ان رجالها يشربون ثقافة عدم الاستسلام منذ نعومة اظفارهم فيفرزونها عرقاً وانتصارات على ارض الملعب.
فازت المانيا بامتياز لكن عيبها الوحيد ربما في تلك الامسية هو السماح لمنتخبٍ اقل منها مستوى بان يجرّها الى ركلات الحظ التي كادت ترميها خارج كأس اوروبا لولا العدالة الكروية التي قررت في واحدة من المرات القليلة ان تُنصف المنتخب الافضل على مدار الدقائق الـ 120.