من لم يشاهد مدافع المنتخب الايطالي اندريا بارزاغلي وهو يذرف الدموع وغير قادر على الكلام، لا يعرف ما هو معنى العواطف في عالم كرة القدم. بعد المباراة الشهيرة امام المانيا التي أقصي منها الطليان بركلات الترجيح ليعبر الالمان الى الدور نصف النهائي، عجز بارزاغلي عن التحدث في مقابلة صحافية، فخرجت الدموع من عينيه بشكلٍ أسرع من الكلمات التي بالكاد تمكن من لفظها في إجابته عن السؤال الاول، ثم لم يقوَ على التحكم في نفسه فترك الساحة باكياً بشدة.

قبل هذه اللقطة كان زميله الكابتن جانلويجي بوفون يبكي وكأنه لاعب ناشئ لم يستطع في مسيرته أن يحرز أي لقب، في الوقت الذي رفع فيه حارس المرمى المميز كأس العالم 2006 وغيرها من البطولات الكبيرة.
مشهدان تركا أثراً كبيراً لدى كل متابعي اللقاء، وحتى لدى لاعبي المنتخب الالماني وعلى رأسهم القائد باستيان شفاينشتايغر الذي ذهب لمواساة "جيجي"، في مشهدٍ عكس الاحترام الكبير الذي كان متبادلاً بين رجال المنتخبين طوال المباراة التي رغم حساسيتها لم تخرج عن أطر الروح الرياضية المتعارف عليها.

حتى روي كين القاسي القلب أجهش بالبكاء

مشهدا بارزاغلي وبوفون ربما كانا طبيعيين إذا ما تحدثنا عن شعورهما بالخيبة لخروجهما المرير من الدور ربع النهائي في العرس القاري، لتبقى إيطاليا غائبة عن ساحة الألقاب منذ عشرة أعوام، لكن في الواقع حفلت "يورو 2016" بالمشاهد العاطفية الكثيرة، ومنها ما كان غير متوقع على الاطلاق.
أحد المشاهد اللافتة كان للمدرب المساعد في منتخب جمهورية ايرلندا روي كين. الكل يذكر ذاك القائد الخشن في مانشستر يونايتد الانكليزي، الذي لا يرحم ولا يضحك. في "يورو 2016" تبيّن أن روي كين يملك قلباً، وهذا القلب ليس من حجرٍ. كين، ولدى تسجيل ايرلندا هدف الفوز في مرمى ايطاليا في ختام مبارياتهما ضمن دور المجموعات، أجهش بالبكاء فرحاً لشدّة تأثره بتأهل منتخب بلاده الى دور الـ16، وهو المشهد الذي علّق عليه مسجل الهدف الايرلندي روبي برايدي بالقول: "كان الأمر وكأنك تشاهد والدك أو جدك وهو يبكي. هذا أمر نادر حدوثه، لكنه إذا دلّ على شيء فهو يدل على أن أمراً مميزاً جداً قد حصل".
فعلاً في كأس أوروبا لم يكن الامر مرتبطاً بالمهارات والتقنيات والاهداف الجميلة، بل بالعواطف أيضاً، التي دفعت أمماً لترك أراضيها والرحيل بمختلف وسائل النقل الى المدن الفرنسية من أجل أن تمنح منتخباتها صوت حناجرها وتؤدي واجبها الوطني. وهذا تماماً ما فعلته حتى شعوب المنتخبات الوافدة حديثاً الى هذه البطولة الكبيرة، ما ترك انطباعاً جيداً بأن رفع عدد المنتخبات لم يكن بالامر السيّئ، إذ إضافة الى حضور الضيوف الجدد فنياً بصورة أكثر من جيدة، فإن جمهورهم أضفى رونقاً خاصاً على البطولة برمّتها.
وهذه المسألة انعكست في العديد من المشاهد العاطفية أيضاً، منها الجنون الويلزي مع كل هدفٍ سجله غاريث بايل ورفاقه، ودموع الويلزيين الذين قيل إنهم من أصحاب القلوب القاسية مع كل نتيجة إيجابية لمنتخبهم الذي حقق المعجزة بالتأهل الى الدور نصف النهائي. هم أصلاً لا يريدون الابتعاد عنه، لذا توسلوا لاعبيه عدم إرسالهم الى الوطن (أي الخسارة) في إحدى أغنياتهم التي هزّت فرنسا.
الايسلنديون أيضاً كانوا حاضرين بشكلٍ عاطفي في مشوار حلم جميل انتهى عند المحطة الفرنسية. أيسلندا عاشت كلها هوس "اليورو" وانجرّت بعاطفتها الى باريس، وحتى رئيس البلاد غودني يوهانسون لم يذهب للجلوس الى جانب نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند في المنصة الرسمية لملعب "ستاد دو فرانس"، بل عاد أسبوعاً الى الوراء وبقي مواطناً عادياً؛ فالرئيس المُنتخب حديثاً ارتدى، وأفراد عائلته، قميص منتخب بلاده وجلس بين الجمهور مصفّقاً ومطلقاً الصرخات معهم.
مشهدٌ أكثر من مؤثّر اكتمل مع تلك اللوحة الرائعة التي رسمها "الفايكينغز" بعد كل مباراة مع جمهورهم المميز، إذ تبادلوا التحية معهم حتى بعد الخسارة القاسية أمام فرنسا في ختام المشوار الجميل.
كأس أوروبا الحالية أعطتنا فرصاً كثيرة من خلال مشاهد عدة، لنلمس فعلاً ما يشعر به المدرب أو اللاعب أو المشجع الموجود في الملعب، إذ بالنسبة الى كل هؤلاء كرة القدم هي معركة أمة أكثر منها حسابات تكتيكية وفنية ورياضية.