المرة الاخيرة التي فازت فيها فرنسا على المانيا في بطولة رسمية كان جهاز التلفزيون الحديث العهد وقتذاك لا يزال ينقل صورة رديئة باللونين الابيض والاسود. كان هذا في المباراة التي جمعت المنتخبين لتحديد صاحب المركز الثالث في كأس العالم 1958 وانتهت فرنسية بنتيجة 6-3، لتكرّس تفوّق "الديوك" في حقبة الخمسينيات على المانيا الغربية التي كانت قد لقيت خسارتين وديتين امامهم واحدة على ارضها واخرى خارجها وبالنتيجة نفسها (1-3) عامي 1952 و1954...

لكن لندع التاريخ جانباً، فهذا كلّه لا يعني شيئاً، وقد ثبت هذا الامر في المباراة الاخيرة للالمان حيث كان الحديث عشيتها عن العقدة الايطالية الازلية، لتتأكد بعدها النظرية القائلة بأن كرة القدم ونتائجها هي وليدة اللحظة وتولد لتحمل انتصاراتها الى من يعطيها اكثر على المستطيل الاخضر.

ستكون المانيا اول مواجهة صعبة لفرنسا في البطولة

طبعاً، يلعب العامل النفسي دوره في مواجهاتٍ من هذا النوع، اذ ان الجيل الفرنسي الحالي يعلم تاريخ منتخبه في مواجهة الالمان، لكنه لن يتأثر به الى الحدّ الذي يعتقده البعض. واذا ما كان الفرنسيون سيتأثرون نفسياً ويشعرون بعقدة التفوّق الالماني عليهم، فان هذه المسألة لن ترتبط بنتائج الماضي الغابر كفوز المانيا 2-0 في مونديال 1986 او اقصائها لفرنسا قبلها من مونديال 1982 بركلات الترجيح بعد تعادلهما 3-3. ما قد يتأثر به رجال المدرب ديدييه ديشان على ابعد تقدير هو مواجهتهم الرسمية الاخيرة امام المانيا قبل عامين في مونديال 2014 حين اخرجهم هدف ماتس هاملس الغائب عن مباراة الغد للايقاف، من الدور ربع النهائي.
هي اصلاً مباراة تحمل جانباً ذهنياً بامتياز، اذ بعيداً من الجاهزية البدنية فان الاكثر حضوراً نفسياً يمكنه ان يخرج منتصراً فيها. وفي هذا الجانب يمكن التوقف عند الالمان المرهقين بدنياً وذهنياً، والسبب انهم خاضوا 120 دقيقة امام ايطاليا في الدور السابق، وعاشوا اوقاتاً نفسية عصيبة في حصة الركلات الترجيحية، لكن مع اعتياد الالمان غالباً رمي آثار وذيول المباريات السابقة على نحو سريع، فان ما قد يترك اثراً في نفوسهم خلال اللقاء هو الضغط الجماهيري الكبير، اذ ان فرنسا تتسلح بعاملي الارض والجمهور لتكرار ما فعلته خلال المباراة الودية الاخيرة بينهما في تلك الليلة الباريسية المشؤومة في 13 تشرين الثاني الماضي حين فازت بهدفين نظيفين على وقع اصوات القنابل والرصاص الارهابي في محيط "ستاد دو فرانس".
اذاً لا يمكن اسقاط اهمية عامل الارض، وهو الامر الذي استفادت منه فرنسا دائماً، وهي التي احرزت اول لقب في تاريخها على ارضها عام 1984 تحديداً في البطولة الاوروبية، ثم كان لقبها الثاني ايضاً بالصورة نفسها عندما رفعت كأس العالم الوحيدة عام 1998.
وبعيداً من كل هذا الشرح المرتبط بالجانب النفسي، سيكون الشق الفني - التكتيكي الاكثر اهمية بكل تأكيد، مع بروز عوامل اساسية ستمنح الفوز لهذا المنتخب دون الآخر. اول هذه العوامل يرتبط بمعركة خط الوسط المرتقبة حيث يترقب الكل ما يمكن ان يفعله الثلاثي بول بوغبا ونغولو كانتي وبلاز ماتويدي في مواجهة خط الوسط الالماني الذي يقوده مسعود اوزيل وطوني كروس بانتظار قرار المدرب يواكيم لوف الذي سيركّب الحجر الثالث المفترض ان يعوّض غياب سامي خضيرة.
وهذه النقطة هي العامل الثاني المهم الذي يمكن ان يرجح كفة المانيا او فرنسا، اي قرار لوف باختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، حيث تدور في الفلك اسماء إيمري كان وجوليان فيغل وجوشوا كيميش. واستراتيجية لوف هي العامل الحاسم الثالث، اذ لا يمكنه ان يلعب وفق الخطة التي اعتمدها امام ايطاليا ما قلّص من فعالية منتخبه القادر على ضرب اي دفاع، وعلى رأسه الدفاع الفرنسي الذي بدا هشّاً منذ بداية البطولة، بينما كان الدفاع الالماني الاقوى والاكثر تنظيماً بحيث لم تهتز شباكه الا من خلال ركلة الجزاء التي سجلها ليوناردو بونوتشي لايطاليا.
الواقع ان فرنسا لم تُختبر بالشكل الحقيقي خلال هذه البطولة، والمانيا المثقلة بالغيابات في مراكز حساسة ستكون اول منتخبٍ صعب في مواجهتها، بينما عرف "المانشافت" مصاعب منوّعة، لعل ابرزها اللقاء مع بولونيا في دور المجموعات ثم "معمودية النار" مع ايطاليا في ربع النهائي.