لطالما قيل إن الألعاب الأولمبية التي انطلقت في نسختها الأولى عام 1896، تحمل شرعة وقوانين لا تقبل بأي استغلال وتفرقة على أي أساس سياسي، ديني أو عرقي. لكن في الواقع، لا يبدو أن الأولمبياد مغاير لأي نظام آخر، إذ إن التأثير السياسي أو الاقتصادي كان متداخلاً دائماً في معظم الدورات السابقة.

في النسخة الأولى، اختيرت أثينا لاستضافة الحفل الرياضي الأكبر، لكونها مهد الألعاب القديمة. لم تكن الرياضة هي الهدف المنشود من تنظيمها هناك بحسب قول رئيس اللجنة التنفيذية المنظمة ديمتريوس فيكيلاس، بل للاستفادة من مدخولها بعد الإفلاس الذي حلَّ بالبلاد، وتحسين صورة اليونان عالمياً.
تتالت الدورات الأولمبية في أكثر من بلد، وكانت الصبغة والاستضافة في كل منها للدول الأقوى في العالم. من إمبراطورية فرنسا وقتها، إلى الولايات المتحدة الأميركية، حتى حلّت الحرب العالمية الأولى التي منعت إقامة نسخة عام 1916.
عام 1920، وقع الاختيار على مدينة أنتويرب البلجيكية، لكن الدول التي خسرت الحرب لم تشارك بقرار مسبق، وأصلاً لم تُوجَّه أي دعوة إليها. من ألمانيا وبلغاريا والنمسا إلى المجر وتركيا. أما روسيا فغابت بقرار خاص، حيث وضعت عامذاك مصلحة شعبها على حساب الصعد الأخرى، فانشغلت ببناء البلاد من جديد، متمنعة عن المشاركة.

ألعاب ريو 2016 مضطربة بسبب السياسة

أولمبياد 1936، كان أدولف هتلر زعيمه. استخدم الأخير كل ما يمكن استخدامه في هذا الحفل للترويج لأفكار حزبه، والأهم تأكيد تفوق العرق الجرماني على بقية الأعراق.
توقف هدير الطائرات، ورُدَّت الأسلحة إلى مخازنها بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية، فاختيرت لندن لتستضيف نسخة 1948، وطبعاً كما الحرب الأولى، مُنع المنهزمون من المشاركة، وعليه تقرر: ألمانيا واليابان خارج البطولة.
كان هذا حال كل دورة من دورات الأولمبياد. دول تدخل وأخرى تخرج. في أولمبياد ملبورن 1956، لم تطأ هولندا وإسبانيا وسويسرا أراضي أوستراليا، رفضاً لما سموه وقتها "القمع السوفياتي" للثورة المجرية. وفي طوكيو 1964، مُنعت جنوب أفريقيا من المشاركة بسبب ممارستها لسياسة الفصل العنصري.
أولمبياد المكسيك عام 1968 جاء بموازاة أحداث سياسية وحروب ضخمة، أبرزها حرب فييتنام، واجتياح الاتحاد السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، فضلاً عن ولادة أحزاب ثورية احتجاجية في العالم، وصلت إلى المكسيك ذاتها التي قمعتها باستخدام 3000 رجل شرطة.
لم يمرّ بعدها أي أولمبياد من دون أي عمل عسكري أو مقاطعة مجموعة دول أو تبني رسائل سياسية؛ من عام 1972 حتى 2012، وصولاً إلى سوتشي 2014.
طبعاً لن يكون الأولمبياد الحالي مغايراً، إذ إن مشاركة روسيا فيه جاءت مبتورة، حيث حُرم العديد من رياضييها المشاركة في الحدث العالمي، وكانت على حافة غياب النهائي وسط الحديث عن حملة أميركية - كندية لإبعادها.
"عالم جديد" هو شعار الدورة الحادية والثلاثين، حيث يمثّل هذا الشعار القيم والمُثل التي تريد البرازيل إيصالها إلى العالم من خلال استضافتها للألعاب الأولمبية والمتمثلة بالوحدة واحترام التنوع وإرادة التغيير، وهو شعار واجهته العقبات السياسية قبل بزوغه والمثل الروسي يبدو شاهداً.
أضف إلى ذلك، أطلّ الجانب الأمني في أولمبياد ريو دي جانيرو منذ بداية التجهيز لانطلاق الحدث حين اعتقلت الشرطة البرازيلية نحو 10 إرهابيين ضمن مجموعة واحدة كانت تخطط لاعتداءات أثناء الأولمبياد.
ريو 2016، مرة أخرى، كسابقه من المناسبات الأولمبية يعاني من السياسة التي نخرت بالرياضة، محرِّفة إياها عن مسارها الأساسي، وسط تخبّط البلاد بإحدى أكبر الأزمات السياسية في تاريخها، حيث تعمّ الطرقات التظاهرات اليومية التي لا شك في أنها تشكل خطراً على الألعاب.