تحلّ الألعاب الأولمبية ضيفة على بلاد تبدو غير بعيدة عن انهيار اقتصادي، وسط انغماس سياسيين وشركات مرتبطة بالحدث الكبير في واحدة من أسوأ الفضائح في تاريخ البرازيل. ويضاف الى هذه الأمور التلوث، وفيروس زيكا، وبعض المنشآت المضيفة غير المكتملة، وطبعاً قضية المنشطات التي خيّمت على الألعاب قبل انطلاقها، ما خلق اقتناعاً بأن ريو 2016 لن يحظى بالاهتمام والمتابعة الكافيين لرفع قيمته الاقتصادية وعائداته التسويقية.

لكن البحث عن الأرقام يؤدي الى نتائج تُسقط هذه التوقعات، وخصوصاً ان المبالغ التي دُفعت في الأولمبياد الحالي تفوق الخيال ان كان على صعيد حقوق النقل التلفزيوني او على الصعيد التسويقي. ففي الشق الاول، وصلت المبالغ المدفوعة من القنوات التلفزيونية الى 4 مليارات دولار اميركي، بينما وصلت قيمة تمويل الالعاب الاولمبية من قبل الرعاة الاساسيين وعددهم 11 راعياً، الى 1.5 تريليون دولار، ما يجعل العاب ريو دي جانيرو الأغنى طوال تاريخ الالعاب الممتدة منذ 120 عاماً.
ومما لا شك فيه ان المستوى التسويقي للالعاب الاولمبية سار في ارتفاع مطّرد في العصر الحديث، وتحديداً منذ العاب اتلانتا (الولايات المتحدة) عام 1996، وهو يصل اليوم الى اعلى مستوياته في ريو دي جانيرو، والدليل هذا المبلغ الضخم الذي تدفعه الشبكات التلفزيونية لقاء نقل المنافسات لمدة 19 يوماً (كون مسابقة كرة القدم تبدأ قبل الانطلاق الفعلي للألعاب التي تقام حتى 21 الحالي). كل هذا جعل رقم القيمة التسويقية لأولمبياد 2016 يصل الى 9 مليارات دولار.

وصلت المبالغ المدفوعة من القنوات التلفزيونية إلى 4 مليارات دولار

ومع توقّع ان يصل عدد متابعي الاولمبياد عبر شاشات التلفزيون الى 3.6 مليارات نسمة، يمكن القول ان القيمة القياسية المدفوعة مقابل حقوق النقل التلفزيوني ليست بالضخمة، مقارنة بعائداتها على الصعيد التجاري، فشبكات مثل "أن بي سي" الاميركية تدرك انها اذا ما دفعت 1.23 مليار دولار لشراء حقوق بث الالعاب وبيعها (مقابل 900 مليون دولار لأولمبياد بكين 2008)، ستتمكن من السيطرة على السوق الإعلاني التلفزيوني في الولايات المتحدة الذي قد يدرّ عليها ضعف المبلغ المذكور. والأمر عينه ينطبق على شبكة "بي بي سي" البريطانية الشهيرة، التي ارتبط اسمها بالاولمبياد منذ نسخة 1960، اذ دفعت 40 مليون جنيه استرليني اكثر مقارنة بما دفعته في اولمبياد لندن 2012 (100 مليون مقابل 60 مليوناً).
رقمٌ كان متوقعاً بالنسبة الى الخبراء الاقتصاديين، وخصوصاً ان ضخ الاموال والاستثمارات كان قد بدأ بالفعل قبل 5 أعوام على استضافة البرازيل لأكبر تظاهرة رياضية، فكان المكسيكي اللبناني الأصل كارلوس سليم اول المبادرين بدفع 320 مليون دولار لشركة "أميريكا موبيل" للاتصالات التي تضمها امبراطوريته، حيث ذهب هذا المبلغ الى اللجنة المنظمة لكي يؤمن وجود الشركة المذكورة كأحد الرعاة في الاولمبياد، الذي لم يكن يواجه اي مشكلة اقتصادية عامذاك، حيث كان اقتصاد البرازيل يكبر بنسبة 7.5% سنوياً. كذلك، دفعت شركات مثل "كوكا كولا" للمشروبات الغازية و"سامسونغ" للالكترونيات حوالى 120 مليون دولار لكلٍّ منها لكي تؤمن شراكة مع الالعاب كما درجت العادة.
طبعاً تغيّرت الحال حالياً، وباتت "بلاد السامبا" تعيش المأزق في خضم استضافتها للحدث، الذي حامت شكوك كثيرة حول جدوى الاستثمار فيه في ظل كل تلك المشكلات التي تحيط به، والتي يضاف اليها الجانب الأمني والصحي ايضاً، فكانت الإحصاءات المختلفة تشير الى عدم اهتمام الرأي العام العالمي بالألعاب في نسخة ريو، وهي المسألة التي دفعت شركات كبرى عدة الى إجراء أبحاث لمعرفة مزاج محبي الرياضة ومتابعي الاولمبياد قبل الاستثمار فيه. وذهبت هذه الشركات في مكانٍ ما الى تحليل مزاج الناس على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يعبّرون بصراحة ومن دون اي حسابات عن تطلعاتهم.
بعضهم خاف عندما ادرك ان مؤشر الاهتمام بألعاب لندن 2012 كان اكبر بكثير، لكن البعض الآخر تجرأ وراهن على حصوله على عائدات تسويقية جراء دمج اسمه مع الاولمبياد، الذي يتيح عادةً مساحة اعلانية للجميع، اذ حتى اصحاب "المصالح الصغيرة" يمكنهم ان يجدوا مكاناً لتسويق اسمائهم ايضاً، بالنظر الى ان رقعة الملاعب والمنشآت التي تستضيف الالعاب اكبر بكثير من اي بطولة اخرى، والاهم ان بإمكانهم ان يقتحموا ساحاتها ابتداءً من مليون دولار، وهو رقم بسيط مقارنة بالمبالغ الهائلة التي تُدفع في حملات اعلانية اخرى لا تجلب العائدات نفسها.
باختصار، الالعاب الاولمبية هي التي تبقي الرياضة بحجمها الكبير على قيد الحياة، وخصوصاً عندما ندرك ان 94% من العائدات تذهب الى اللجنة الاولمبية الدولية واللجان الاولمبية الوطنية التي ستعيش على نِعمها لأربع سنوات جديدة.