لا يمكن اغفال ان مسألة حصد الميداليات الكثيرة بالنسبة الى اي دولة مضيفة للالعاب الاولمبية يعدّ من اسباب نجاح استضافتها للحدث. وهذا الامر كان حاضراً في نسخ عدة، آخرها عام 2008 في بكين عندما تبوأت الصين جدول الميداليات بـ 100 ميدالية بينها 51 ذهبية، لتُتوّج بالتالي العاباً ناجحة بكل المعايير بعدما ارتقت الى مستوى التحدي في حفلي الافتتاح والختام وطوال ايام استضافة المنافسات.

الامر عينه رصدته بريطانيا في اولمبياد لندن 2012، وهي التي كانت تدرك سلفاً انها لن تتمكن من مجاراة العملاقين الاميركي والصيني اللذين تصارعا على المركز الاول الذي حسمته الولايات المتحدة هذه المرّة. وفعلاً حلّت بريطانيا ثالثة لكنها استغلت احتضانها للالعاب لتحرز 65 ميدالية بينها 29 ذهبية.
وقبل الالعاب الحالية في ريو دي جانيرو، ادركت البرازيل ان عليها الاستفادة من استضافتها للاولمبياد حتى اقصى الحدود، وخصوصاً انه على مستوى الأمة بشكلٍ عام تحتاج "بلاد السامبا" الى كل نجاحٍ ممكن من اجل ان تعكس صورة ناجحة للالعاب التي صرفت المليارات لاستضافتها في ظل الازمة السياسية والاقتصادية الرهيبة التي ادت الى اكبر انتكاسة في تاريخ البلاد.

البرازيليون يرصدون المركز العاشر على جدول الميداليات

الهدف البرازيلي في ريو 2016 ليس ضخماً، فالبرازيليون يرصدون الحلول في مركزٍ بين الدول العشر الاوائل على لائحة ترتيب الميداليات، لكن هذا الامر دونه صعوبات عدة، اذ لا يمكن القول ان البرازيل بلد اولمبي بامتياز، ففي المحطتين السابقتين لم ينجح الوفد البرازيلي في احتلال افضل من المركزين الـ 23 والـ 22 على التوالي في ختام الالعاب، وبثلاث ذهبيات في كلٍّ من اولمبيادي بكين ولندن.
وهذه المسألة قد تكون طبيعية بالنسبة الى اي متابعٍ للرياضة العالمية، اذ كما هو معلوم فان الالعاب الشعبية في البرازيل لا تملك ارتباطاً وثيقاً بالالعاب الاولمبية، على غرار كرة القدم التي تعدّ اللعبة الشعبية الاولى في البلاد، والتي لم يحرز "السيليساو" اي ذهبية فيها رغم ان منتخب الرجال هو الاكثر تتويجاً بلقب كأس العالم. كذلك فان العاباً اخرى تنامت شعبيتها في الاعوام الـ 15 الاخيرة، امثال كرة القدم الشاطئية وكرة القدم للصالات لا تتواجد في الاولمبياد، وهي التي كان من الممكن ان ترفع من آمال البرازيليين في اضافة الذهب الى رصيدهم. كذلك، تبرز سباقات السيارات (وخاصةً الفورمولا 1) في مركزٍ متقدّم على لائحة الرياضات الشعبية في البرازيل، لكنها طبعاً ليست مدرجة على خارطة الالعاب الاولمبية.
اما في الرياضات الشعبية الاخرى، فان النتائج البرازيلية كانت متفاوتة، فاذا اخذنا في عين الاعتبار الجودو، تبدو الامور مقبولة رغم عدم الوصول الى الرقم الذي تحقق في لندن (4 ميداليات)، فكانت رافايلا سيلفا الوجه الاكثر اشراقاً بميداليتها الذهبية. لكن الخيبات كانت في رياضات شعبية اخرى، اذ للمرة الاولى منذ اولمبياد اثينا 2004 تخرج البرازيل من احواض السباحة من دون اي ميدالية. وهذه النتيجة ربما كانت متوقعة بعد فشل البطل الاولمبي سيزار سييلو في التأهل، وهو الذي يعدّ الاسم الاكبر على صعيد هذه الرياضة في البلاد.
طبعاً، تحاول البرازيل ان تخرج من معادلة كرة القدم هذه المرة، رغم ان ذهبية لمنتخب الرجال في اللعبة الشعبية الاولى في العالم ستمثّل انجازاً كبيراً كونها ستزيّن عنق لاعبي "السيليساو" للمرة الاولى في تاريخهم بعد طول انتظار، لكن الواقع ان البرازيل لا تحتاج الى ذهبية اولمبية لتأكيد ريادتها على المستطيل الاخضر، بل ان حاجتها الفعلية هي لانجازات جديدة تتخطى من خلالها رقم الميداليات الـ 17 التي حملتها في الاولمبياد الماضي، وخصوصاً انها تشارك حالياً في اكبر بعثة في تاريخها الاولمبي، اذ بلغ عدد افرادها 465 شخصاً كون الدولة المضيفة يتأهل رياضيوها مباشرة الى عددٍ كبير من الالعاب، اضافة الى انها استقدمت 56 مدرباً اجنبياً للمساعدة على رفع مستوى عددٍ من الابطال الذين يمكن اعتبارهم مرشحين لاحراز الميداليات.
الالعاب الاولمبية اقتربت من النهاية والاصوات الداخلية المناهضة لاقامتها في ريو دي جانيرو لا تزال ترتفع، ووحدها الانجازات الوطنية يمكن ان تطفئ النار التي تستمد وقودها من المآسي اليومية للبرازيليين المرهقين سياسياً واقتصادياً.