لم يكن ينقص المنتخب الهولندي إلا الخسارة أمام اليونان ودياً على أرضه وبين جماهيره لتكتمل الصورة السوداوية التي تحيط به.

لا يصدق ما يعيشه المنتخب الهولندي في الوقت الراهن، إذ بعد الخيبة الكبيرة بالفشل في التأهل إلى نهائيات كأس أوروبا 2016 والاكتفاء بمشاهدة كبار "القارة العجوز" ينازل بعضهم بعضاً، أتت الدعسة الأولى قبل انطلاق تصفيات مونديال روسيا 2018 ناقصة لتزيد القلق على مصير المنتخب الذي يدير دفة الأمور فيه المدرب داني بليند.
بالتأكيد فإن الخسارة في الديار أمام منتخب مثل اليونان الذي تراجع كثيراً في الفترة الأخيرة وبات شبحاً لمنتخبه الذي توج بكأس أوروبا عام 2004 تدق ناقوس الخطر وتستدعي حالة الطوارئ في البلاد التي أدهشت العالم لحقبات وحقبات بالكرة الشاملة الرائعة، وقدمت نجوماً أفذاذاً تركوا أثراً بالغاً في سجلات اللعبة.

تخلت الأسماء الكبيرة عن بليند ليبقى وحيداً في وجه العاصفة

لكن هيهات، فمن يساعد منتخب "الطواحين" من دون الغرق أكثر والكل تفرّق من حوله بعد أن تأملت الجماهير خيراً بوجود الأسماء الكبيرة السابقة في كادره الفني؟ لكن يبدو أن الجميع بات يخشى هذه المرحلة وتحمُّل تبعتها، وهذا ما تُرجم بانسحاب مساعدي بليند الواحد تلو الآخر، بدءاً من رود فان نيستلروي الذي تسلم مهمة تدريب فريق الشباب في ناديه السابق أيندهوفن، ومن ثم ديك أدفوكات الذي ترك البرتقالي لتدريب فنربخشه التركي، وانتهاءً بماركو فان باستن الذي فضّل منصباً في "الفيفا" على منتخب بلاده.
وأكثر من ذلك، فإن رود غوليت الذي تم الاتفاق معه على العمل مساعداً لبليند، ترك المهمة بعد أيام معدودة لخلافه مع الاتحاد الهولندي على بنود العقد، ليبقى بذلك بليند وحيداً في وجه العاصفة.
هكذا، فإن هذه الأسماء تخلت عن المنتخب في أدق مراحله وأشدها خطورة، وفي الوقت الذي يبدو فيه في أمسّ الحاجة إلى وقوف الجميع حوله وتقديم كل الدعم والخبرات له.
ما هو واضح أن مشكلة المنتخب الهولندي متشعبة، وتبدأ من التخبط الذي يعيشه الاتحاد الهولندي من خلال فشله في إدارة شؤون المنتخب، وهذا ما يظهره رحيل مساعدي بليند وفضّ الاتفاق سريعاً مع غوليت.
الأمور لا تتوقف هنا، إذ إن اعتماد الاتحاد الهولندي على بليند لقيادة المنتخب كان مغامرة، نظراً إلى التجربة المتواضعة لهذا المدرب بإشرافه فقط على أياكس أمستردام لموسم واحد (2005-2006) لم يحقق فيه أي شيء، ورغم الفشل في التأهل إلى "يورو 2016" بعد خلافته غوس هيدينك وإزاء الانتقادات الكبيرة التي لقيها من الرأي العام ومطالبة الجماهير بإسناد الأمور إلى نجم "الطواحين" السابق رونالد كومان، فإن القيمين على اللعبة في البلاد أصرّوا على بليند الذي يبدو حتى الآن غير قادر على إيجاد الحلول التي تنتشل الكرة الهولندية من أزمتها.
لكن المشكلة الأكبر هي فقدان المواهب التي طالما تغنّت بها هولندا، ما وضع الكرة هناك في مرحلة فراغ، بعد انتهاء حقبة تمكن فيها منتخب "الطواحين" من الوصول إلى نهائي مونديال 2010 ومن ثم احتلال المركز الثالث في مونديال 2014، مقدماً عروضاً مميزة تمثلت بجيل روبن فان بيرسي وأريين روبن وويسلي سنايدر الذين أدّوا "خدمتهم" للمنتخب الوطني وباتوا غير قادرين على تقديم المزيد مع تقدمهم في السن، علماً بأن بليند أبعد فان بيرسي عن تشكيلته الأخيرة لمباراة اليونان الودية، وبعدها أمام السويد في تصفيات مونديال روسيا.
أزمة حقيقية يعيشها المنتخب الهولندي الذي يبدو مهدداً من دون مبالغة في تصفيات كأس العالم 2018 في حال استمر على هذا النسق، خصوصاً أن مجموعته من الأقوى، وتضم فرنسا والسويد وبلغاريا وبيلاروسيا. لا شك في أن محبّي "الطواحين" قلقون على الآتي، وصورة منتخبهم الحالي الذي بات بعيداً جداً عن المقارنة بكبار "القارة العجوز" تستدعي تحسّرهم على أمجاد الماضي.