قبل أشهرٍ قليلة حمل وفدٌ من كوسوفو آمال شعبٍ وذهب به إلى أعلى مرجع في كرة القدم الأوروبية. وقتذاك أقرّ "يويفا" انضمام كوسوفو إلى عائلته، فكانت اللحظة التاريخية التي أثارت مشاعر غالبية أعضاء الوفد الذين بكوا بشدة، حاملين كرات زرقاء تحمل اسم البلد الذي قاتلوا من أجل استقلاله.

هذه الدموع لم تكن سوى انعكاس لحالة عاطفية يعيشها شعب كوسوفو منذ إعلانه استقلاله، إذ شعر في تلك اللحظة بمعنى الاستقلال وطعمه، وخصوصاً أن بلداناً عدة على رأسها صربيا وروسيا لا تعترف باستقلال الإقليم السابق ولا تعترف به كدولة أصلاً.
ومسألة المشاعر هي الأساس في كل شيء يُبنى الآن في كرة القدم هناك، إذ لا يمكن الحديث عن وجود أي شيء ملموس. اتحاد نشأ من العدم، وهيكلية مفقودة، إذ لا تمتلك البلاد حتى أي ملعب بمواصفات دولية يسمح لها بخوض مباراة رسمية مسجّلة في "الفيفا"، لذا فإن منتخب كوسوفو سيعتمد أحد الملاعب الألبانية أرضاً له في تصفيات كأس العالم 2018.

اعتبر الاتحاد السويسري تصرفات كوسوفو غير اخلاقية

كوسوفو أصلاً لا تملك سوى أسلوب اللعب على المشاعر لكي تبني كرتها، وهي المسألة التي لن تكون مضطرة إلى العمل عليها بجهدٍ، بحُكم وجودها طبيعياً في كل مكان تقريباً في القارة الأوروبية التي هاجر أبناؤها إلى بلدانها هرباً من قساوة الحرب.
ففي حزيران الماضي، لعبت سويسرا مع ألبانيا في لنس خلال كأس أوروبا 2016، وحكى معلّقو المباريات كثيراً عن نجم المنتخب السويسري غرانيت شاكا وشقيقه تولانت الذي وقف في وجهه مدافعاً عن ألوان المنتخب الألباني. ردّد هؤلاء كثيراً معلومات عن مجموعة لاعبين من أصول البانية يدافعون عن ألوان سويسرا التي هاجروا إليها أو وُلدوا فيها، لكن الحقيقة أن كل شيء في تلك المباراة كان يحكي عن كوسوفو من دون أن يذكرها أحد.
سويسرا تسلّحت بشاكا وشيردان شاكيري وفالون بهرامي وغيرهم من اللاعبين الأساسيين أصحاب الأسماء المعروفة. كل هؤلاء تعود أصولهم إلى كوسوفو التي منطقياً تملك الحق الأول في الحصول على خدماتهم، لكنها لم تكن تملك سابقاً أي منتخب، وبالتالي تشتتت هذه الأسماء وغيرها بين المنتخبات الأوروبية المختلفة.
وهنا وقعت المشكلة، فلاعبو كوسوفو هم تماماً مثل آبائهم وأجدادهم، يحنّون إلى الجذور ويشعرون بأنه لا بدّ أن يكون لهم دور في تثبيت الاستقلال، فأطلت المشاعر مجدداً لتُحدث ضجيجاً في اتحادات وطنية، وصولاً إلى الاتحاد الدولي.
دولة كوسوفو تبحث اليوم عن نجومها "المخطوفين"، وهؤلاء يلبّون صرختها، فأطلقوا صرخة بدورهم، طالبين التحرّر من ارتباطاتهم الدولية، وكان على رأسهم غرانيت شاكا الذي استثناه "الفيفا" من تبديل خياره على الصعيد الدولي تماماً كغيره من اللاعبين بحجة مشاركته في بطولةٍ رسمية هي "يورو 2016". وكما لم تتمكن سويسرا من 11 لاعباً ولدوا على أراضيها وذهبوا للدفاع عن ألوان ألبانيا، كذا كوسوفو اليوم رغم اختراقها الكبير الذي جعل الاتحاد السويسري مثلاً يخرج ببيانٍ يصف فيه محاولات القيّمين على اتحاد كوسوفو لإقناع اللاعبين السويسريين بالتحوّل إليه، بالعملية اللاأخلاقية.
مشاعر أبناء كوسوفو تعلو كل شيء حالياً، فشرع لاعبون كثر يطلبون الانضمام إلى المنتخب الجديد رغم خوضهم مباريات دولية عدة مع منتخبات أخرى، أمثال فالون بيريشا الذي لعب 23 مباراة بقميص منتخب النروج، وألبرت بونجاكو الذي لعب 6 مباريات مع منتخب سويسرا، وأمير رحماني الذي كان قد سجل هدفاً لألبانيا في مرمى كوسوفو خلال مباراة ودية جمعت بين المنتخبين في تشرين الأول الماضي!
هي معضلة حقيقية تصيب "الفيفا" حالياً، لأن كل هؤلاء اللاعبين لم يكن بإمكانهم الاختيار سابقاً، لعدم وجود منتخبٍ اسمه كوسوفو، واليوم وفي حال انضمامهم بأعدادٍ كبيرة إلى المنتخب الحديث العهد سيجرّون لاعبين آخرين معروفين أمثال عدنان يانوزاي الذي اختار بلجيكا من بين منتخبات عدة متاحة، وخصوصاً أنه لا يوجد أي لاعب في منتخب كوسوفو يلعب في البلاد باستثناء الحارسين الاحتياطيين فلامور نيزيري وغرانيت كولشي.
مهمة تحريرية جديدة لكوسوفو، لكن هذه المرة لنجومٍ سُرقوا منها في ظروف الحرب البشعة، وهي تعمل على لمّ شمل لكتابة تاريخ جديد بطموح التأهل إلى المونديال.