هي أوروبا، أرض الديموقراطية والدروس الحضارية، قدّمت رئيساً جديداً للاتحاد الأوروبي لكرة القدم اسمه ألكسندر تشيفيرين.

منذ ساعات الصباح الأولى أمس، كانت متابعة العملية الانتخابية مسألة مشوّقة جداً ومثيرة للاهتمام في آنٍ واحد، فانتخابات "يويفا" التي أُقيمت في أثينا هي غيرها كل الانتخابات التي رأيناها في العصر الحديث في اللعبة الشعبية الأولى في العالم، إن كان على صعيد الاتحاد الدولي أو على صعيد انتخابات الاتحادات القارية وحتى الكثير من الاتحادات الوطنية.
بهدوء، ومن دون ضجيج وصراخ أو تخوين أو تهديد ووعيد، وبأناقة أوروبية بحتة انتخبت الاتحادات المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي رجلاً كان حتى الأمس القريب مجهولاً بالنسبة إلى متابعي الكرة في أوروبا والعالم. هو ليس كسلفه الفرنسي ميشال بلاتيني الذي اشتهر لاعباً ومدرباً وإدارياً محنّكاً، وهو ليس كالمرشح السابق الإسباني أنخيل ماريا فيار صاحب التأثير الكبير في الكرتين الإسبانية والأوروبية. كذلك ليس كمنافسه المباشر أمس الهولندي ميكايل فان براغ، لكنه رغم ذلك تمكن من الفوز بنتيجة رهيبة قوامها 42 صوتاً مقابل 13 صوتاً!
ومع انتخاب هذا الرئيس الشاب (48 عاماً)، تَعلَق مشاهد كثيرة في ذهن المتابع عبر شاشة التلفزة، وخصوصاً من خَبُر العديد من العمليات الانتخابية الصاخبة التي لا تشبه أي شيء يسمّى ديموقراطية. الكلمة الأخيرة تنطبق تماماً على ما جرى في أثينا صباح أمس.
هناك في العاصمة اليونانية، ورغم الإيقاف الذي شوّه كل ما بناه في مسيرته، أُعطي بلاتيني المنصة للصعود وإلقاء خطاب وداعي. لم يتعامل معه الأوروبيون بأي ضغينة، مقدّرين كل الجهود التي بذلها خلال وجوده على رأس "يويفا" حيث يُفترض إنصافه بالعديد من المسائل التي طوّرها.
الصورة الحضارية - الديموقراطية الثانية التي لا تراها في أي انتخابات أخرى، كانت عند صعود فان براغ لإلقاء "كلمة الخاسر"، حيث طلب فيها من كل الاتحادات التي انتخبته أن تضع يدها في يد الرئيس الجديد وتعمل معه كما لو أنه وصل هو بنفسه إلى سدّة الرئاسة.
لا ضغينة، لا شخصانية أو تصفية حسابات. هذه هي الحال في مؤسسة كروية لم تلطخ سمعتها بيدها، بل إن شظايا ما حصل في "الفيفا" من فضائح أصابتها من خلال انغماس بلاتيني في المستنقع. الواقع أن الاتحاد الأوروبي لم يقدّم فاسدين كغيره من الاتحادات القارية الأخرى التي تساقطت رؤوس كبار العديد من اتحاداتها الوطنية الواحد تلو الآخر.
هي الديموقراطية الأوروبية أيضاً في مشهدٍ ثالث تجلّى بانتخاب رئيسٍ من سلوفينيا التي لم تحصل على استقلالها من يوغوسلافيا السابقة إلا قبل 25 عاماً، التي يبلغ عدد سكانها (مليوني نسمة) أقل من نصف عدد سكان لبنان، والتي لا يُصنّف منتخبها بين أفضل 50 منتخباً عالمياً (يحتل المركز الـ 59 في تصنيف الفيفا).
لكن رغم كل هذا، اختارت محامياً متزناً للدفاع عن كرتها وحمايتها تماماً كما يفعل مع المتهمين الذين رافع في المحاكم لمصلحتهم. هذا الرجل قد تبدو قصته مثيرة أكثر من تلك التي عرفناها عن الرئيس الجديد للاتحاد الدولي السويسري جياني إينفانتينو، وخصوصاً عندما نعلم أنه لم يمضِ على ترؤسه للاتحاد السلوفيني أكثر من 5 سنوات، لكنه رغم ذلك ترك بصمات مهمة سريعاً، على غرار توحيده الدول المنفصلة عن يوغوسلافيا في قوة واحدة، فبات حضورها وصوتها أقوى في المحافل الدولية، وهو ما يطمح إليه "يويفا" حالياً حيث لطالما اعتبر كثيرون من صقوره أنه المؤسسة الكروية الأعظم في العالم لكونه يضم البلدان الكبيرة في عالم الكرة بفرقها ومنتخباتها ولاعبيها وإدارييها.
أوروبا انتخبت وتركت درساً ديموقراطياً ورسالة حضارية في كيفية إدارة الكرة حبّاً بها لا طمعاً بمركزٍ ومجدٍ شخصي.