لطالما كانت ايران في مكان وقارة آسيا كلها في مكانٍ آخر عندما يرتبط الامر بكرة القدم للصالات. تلك اللعبة التي لا يكترث لها قسم كبير من متابعي اللعبة الأم، أي كرة القدم، لكن لا شك في انهم لا يمكنهم تجاهلها بعد الآن، وسط نموها على نحو مطّرد في مختلف القارات لدرجة أنه قيل في مجالس ضيّقة إن "الفيفا" بدأ ينزعج مما يفعله مولوده الأصغر ولهذا السبب لم يضغط يوماً لادراج الفوتسال على لائحة المنافسات المعتمدة في الالعاب الاولمبية.

المهم ان ايران ليست بالدولة العادية عندما نتحدث عن الفوتسال، فهي منذ ان بدأت سيطرتها على اللعبة في القارة الصفراء، رأى خصومها أن اي خسارة امامها بفارق هدفين او ثلاثة أهداف انجاز يحسب، واي تعادل هو لقب بحدّ ذاته، وخصوصاً بعدما شرع "تيم مللي" في سحق اي منافس من دون رحمة.

لبنان يعرف اكثر من غيره عن التفوّق الايراني

بالامس توّج الايرانيون القابهم الآسيوية الـ 11 ومشاركاتهم السبع في المونديال بانجازٍ جنوني، تمثّل بإطاحة البرازيل واسطورتها فالكاو، الذي يعدّ بيليه هذه اللعبة التي لم تشهد لاعباً مثله. انجاز صدم الكل، لكن بالتأكيد لا يمكن ان يصدم من تابع المنتخب الايراني عن كثب طوال سنوات، او من يعلم مدى العمل الكبير الذي تقوم به الرياضة الايرانية في كل الالعاب، التي تقام في قاعات مغلقة، حيث بسط الايرانيون حضورهم القوي والمتفوّق على الساحة القارية.
ايران هي فعلاً ملكة الصالات، وربما لبنان يعرف هذا الامر اكثر من غيره، عندما نتحدث عن هذه المسألة، لكونه يهتم بلعبتين شعبيتين فشل غالباً في التغلّب فيهما على الايرانيين. وهنا الحديث عن كرة السلة والفوتسال حيث سار ابناء بلاد فارس دائماً في تطور سريع حتى بلغوا مستوى عالميا يصعب على اي خصم آخر بلوغه، اقله في السنوات القليلة المقبلة.
وهذه المقولة تنطبق على الفوتسال تحديداً، اذ ان احتلال ايران المركز الخامس في التصنيف العالمي، واقصاءها للبرازيل، لم يأتيا من صدفة. فالايرانيون شرعوا في تأسيس منتخبٍ قوي منذ مطلع التسعينيات (1992) مستفيدين من موهبة فطرية اكتسبها اللاعبون من خلال رياضة واسعة الانتشار في الشوارع والمدارس والجامعات وتعرف بـ "غول كوشيك"، التي يستخدم فيها المرمى الصغير (100x60 سم)، بحيث يحتاج اللاعبون الى مهارات فردية وتناقل الكرات على نحو سريع لتسجيل الاهداف. هذان الامران هما روح الفوتسال.
كثُرت الصالات في مختلف انحاء البلاد، من طهران وصولاً الى جزيرة كيش، واخذ الدوري شكلاً احترافياً وضُخّت الاموال فيه، فتمكن القيّمون من تأسيس جيلٍ جديد يضمن الاستمرارية للمنتخب الوطني، فظنّ كثيرون انه باعتزال الهداف التاريخي فاهيد شمساي سينتهي عصر تفوّق "تيم مللي" في آسيا، لكن فجأة ظهر حسين طيّبي ومهدي جافيد وعلي اصغر حسن زاده واحمد اسماعيلبور وغيرهم لينقلوا ايران الى مرحلةٍ اعلى بكثير، ويسيروا بمنتخبهم حتى الآن الى ربع نهائي المونديال، حيث يلوح انجاز اكبر من ذاك الذي اصابه في اول مشاركة له عام 1992 عندما احتل المركز الرابع.
في كأس آسيا الاخيرة التي اقيمت في اوزبكستان، انهت ايران الشوط الاول امام العراق متقدّمة بنتيجة 10-1، لكنها لم تتوقف ولم ترحم "اسود الرافدين" في الشوط الثاني، لتخرج فائزة 13-2. يومذاك كان بالامكان لمس مدى احترام الايرانيين لخصومهم بعدم الاستهتار بهم مهما كان ضعفهم، وهي نقطة اعطتهم قوة اضافية ترجموها عودةً كبيرة امام "الملوك" البرازيليين لينتزعوا الاحترام منهم ومن العالم وحتى من "اسطورتهم" فالكاو، الذي احتفل الايرانيون بنهاية مشواره الدولي اكثر مما احتفلوا بانجازهم الخرافي.