تعبت إنكلترا كثيراً بعد كأس أوروبا. تعبت من البحث عن مدربٍ يخلف المصيبة روي هودجسون، حتى وجدت في سام ألاردايس الرجل المناسب لقيادة سفينة منتخب "الأسود الثلاثة" حتى كأس العالم 2018. لكن ها هي المصيبة تأتيها بشكلٍ اكبر، إذ إن "بيغ سام" وقع في شرك الصحافة الباحثة عن قصةٍ يسيل لها اللعاب وتصيب أرقاماً قياسية في أكشاك البيع، فحوّلت صحيفة "ذا دايلي تلغراف" الـ"بيغ" الى رجلٍ صغير في لحظات بنشرها قصة موثّقة بالفيديو والصور خلال اجتماعه بصحافيين أوهموه بأنهم رجال أعمال من شرق آسيا يملكون وكالة وهمية مختصة بعقود اللاعبين، حيث أبلغهم أن بإمكانهم الالتفاف حول القانون الذي يمنع أن تكون حقوق عقود اللاعبين مملوكة من طرف ثالث غير اللاعب والنادي بغية الحصول على عمولة من أي صفقة. كما وافق ألاردايس على السفر الى سنغافورة وهونغ كونغ كسفير لمؤسستهم الوهمية مقابل الحصول على مبلغ يتجاوز نصف مليون دولار.

وبطبيعة الحال وكما عهدنا في حالات سابقة مشابهة، فإن هذه الفضيحة سرعان ما أطاحت ألاردايس من منصبه حيث قدم استقالته (حل غاريث ساوثغيت بديلاً مؤقتاً له)، ليضيف سفاحو الصحافة الإنكليزية ضحية جديدة الى لائحتهم التي تطول بعدما علّقوا المشانق لعددٍ كبير من النجوم، فقضوا على قسمٍ منهم، وشوّهوا صورة قسمٍ آخر فقد احترامه وسمعته أمام الجمهور الكبير الذي لديه شغف كبير لأن يقرأ يومياً ما تحمله الصحف الإنكليزية من فضائح وعناوين مثيرة، وهو ما نشهده من خلال تخصيص كل الصحف صفحات رياضية كثيرة لا تسقط منها المادة التي تجذب القراء وترفع من أسهم هذه الصحيفة أو تلك.
ولا يخفى أن الفضائح أصبحت اختصاصاً إنكليزياً بحتاً، إذ لا نجد هذه المسألة في الصحف الإيطالية والفرنسية والإسبانية الرائدة، إلا في مناسبات محددة. أما السبب في هذا الاجتهاد الإنكليزي فهو المنافسة الكبيرة التي تعيشها الصحف الإنكليزية في ما بينها، فبات بحثها عن الفضيحة الجذابة هو الأساس.
لكن هل في هذا العمل الصحافي موضوعية أم مجرد غاية تجارية؟
الواقع أن ما يفعله الصحافيون الإنكليز في هذا المجال هو درس في الصحافة، فهم لا يعيرون اهتماماً لأي تسويات، ولا ينظرون الى اسم الشخص أو وظيفته حتى لو كان يحمل مهمة وطنية تماماً كحالة ألاردايس، إذ بالنسبة إليها يُفترض أن يحاسب كل مخطئ مهما علا شأنه. وهنا يمكن لمس مدى الجهد الكبير الذي يقوم به من يسمّى سفاحو الصحافة، إذ مخطئ من يعتقد أن اختياراتهم عشوائية في مجال فضح المخالفين، بل إن ما يفعلونه هو نتيجة استقصاء طويل ودراسة لعمل الضحية ونشاطاته المشبوهة حتى يتأكدوا من مخالفته لروح الرياضة فينقضوا عليه من دون رحمة.
وربما يرى البعض في تخفي الصحافيين وفضحهم للنجوم والأسماء الكبيرة في عالم الرياضة عملاً قذراً، لكن البعض الآخر يرى فيه جانباً تصحيحياً، وخصوصاً عندما يكون الهدف هو حماية القيَم الرياضية التي تسقط يوماً آخر لحساب الجشع الذي بات صفة كبار المتعاطين في كرة القدم، من وكلاء لاعبين، ومدربين وحتى نجومٍ مهمّين، والدليل أن ألاردايس الذي يشير عقده مع الاتحاد الإنكليزي الى تقاضيه 4 ملايين دولار كراتبٍ سنوي، فضلاً عن الحوافز، أغرق نفسه في مستنقع مشبوه طمعاً وحبّاً بالمال.
باختصار، أصبحت صورة «بيغ سام» أكثر وساخة من تلك «البورتريهات» التي كشفت عنها الصحافة الإنكليزية سابقاً على خلفية فضائح جنسية كان أبطالها نجوماً في المنتخب المتقهقر فنياً وأخلاقياً، أمثال: واين روني، أشلي كول، جون تيري، بيتر كرواتش وغيرهم.