منذ زمنٍ بعيد لم يعد أحد يسمع بتأثير بلغاريا على كرة القدم، لا من خلال منتخبها أو أنديتها، ولا حتى من خلال تقديمها نجماً واحداً في سماء الكرة الأوروبية.

كرة بلغاريا تراجعت كثيراً حتى وصلت الى الحضيض حالياً مع منتخبٍ يبدو مستقبله بائساً في ظل عدم وجود أسماء رنانة ضمن تشكيلته. بلغاريا قدّمت نفسها الى عالم الكرة في حقبتين، الأولى امتدت من أوائل الستينيات حتى منتصف السبعينيات عندما تأهلت الى أربعة مونديالات متتالية، إضافة الى بلوغها الدور ربع النهائي في كأس أوروبا عام 1968. أما الحقبة الثانية فكانت في منتصف التسعينيات مع بلوغ الشهير هريستو ستويشكوف ورفاقه دور الأربعة في كأس العالم 1994، ليتم البناء على هذه النتيجة ويتأهل المنتخب البلغاري الى "يورو 1996" ثم مونديال 1998.

وصلت بلغاريا إلى المركز الثالث في تصنيف "الفيفا" عام 1994

لكن بعد تلك الحقبة، بدأ التقهقر البلغاري مع مطلع الألفية الجديدة، ولم يخرقه سوى التأهل الى كأس أوروبا 2004 حيث كان البلغاريون أسوأ منتخب على الإطلاق في تلك البطولة وخرجوا من دور المجموعات مثقلين بثلاث هزائم في 3 مباريات.
يلعب المنتخب البلغاري حالياً من دون أن يحمل معه سوى أمجاد الماضي البعيد، فيتغنى مثلاً من يحكي عنه بتلك المباراة الشهيرة مع ألمانيا في ربع نهائي مونديال 1994، حيث شهدت الولايات المتحدة المفاجأة الصادمة التي تمثلت بسقوط أبطال العالم تحت وقع الضربة الحرة الرائعة لستويشكوف والرأسية الغادرة للأصلع الشهير يوردان لتشكوف. وقتذاك، خرج القائد البلغاري الذي لمع مع برشلونة الإسباني أيضاً ليقول: "كانت مباراة سهلة جداً".
لكن الأكيد أن ستويشكوف يرى اليوم مدى الصعوبة التي يمكن أن يواجهها منتخب بلاده في أي مباراة يخوضها، ودية كانت أو في التصفيات الأوروبية والمونديالية. هناك في تشكيلة المدرب بيتار هوبتشيف، لا يوجد لاعبون مثل الحارس بوريسلاف ميخائيلوف، أو مثل المدافع تريفون إيفانوف، أو لاعب الوسط كراسيمير بالاكوف، أو ذاك المهاجم الثعلب إميل كوستادينوف الذي شكّل مع ستويشكوف ولتشكوف ثلاثياً مرعباً لأي منتخبٍ في العالم.
هؤلاء لعبوا في أهم أندية أوروبا مثل برشلونة وبايرن ميونيخ وغيرهما، لكن اليوم في المنتخب الحالي تجد أن أفضل نادٍ يلعب له لاعب دولي بلغاري هو باليرمو الإيطالي الذي يدافع عن ألوانه متوسّط الميدان إيفايلو تشوتشيف.
الواقع أن هذه المسألة ليست بالأمر الغريب مع تقهقر المنتخب البلغاري الى مركزٍ يقارب المئة (المركز 96) على لائحة تصنيف "الفيفا" عام 2012 قبل أن يتحسّن نسبياً ويصل الى المركز الـ 74 حالياً، وهو الذي بلغ في آب عام 1994 المركز الثالث. ومسألة السقوط هذه أتت جراء أحداث مافيوية عدة عرفتها الكرة البلغارية طوال سنوات، منها ما ارتبط بالفساد والتلاعب بنتائج المباريات في الدوري المحلي، ومنها ما رُبط بعنف المشجعين والأحداث الكثيرة التي حصلت في مباريات كبيرة، وتحديداً مباريات لها علاقة بأكبر ناديين في العاصمة صوفيا أي سسكا وليفسكي.
كل هذا أبعد المستثمرين عن أفضل ناديين على صعيد الهيكلية وتخريج المواهب فوجّهوا أموالهم الى أندية أخرى ومعظمها يتمركز خارج العاصمة، على غرار لودوغوريتس رازغارد بطل الدوري، والذي عُرف اسمه في المواسم الأخيرة على ساحة مسابقة دوري أبطال أوروبا. لكن هذا النادي مثلاً لم يتمكن من تقديم أشياء كثيرة لمساعدة المنتخب وهو الذي يعتمد على العنصر الأجنبي طمعاً بنتائج أوروبية أفضل تدرّ عليه المزيد من الأموال، فبقي سسكا صوفيا مثلاً أكثر تقديماً للاعبين في المنتخب الحالي.
بلغاريا في مأزق بالتأكيد، والحلول لا تلوح في الأفق ليبقى الخلاص الوحيد في ولادة سلالة أخرى من المواهب تكون على شاكلة تلك العصابة القديمة ورئيسها ستويشكوف.




كوستادينوف يعود الليلة

يعود الليلة ذكر اسم اميل كوستادينوف عندما تتقابل بلغاريا مع فرنسا في التصفيات المونديالية، اذ بهدفٍ لا ينسى بالنسبة الى الفرنسيين والبلغاريين، كان قد اقصى "الديوك" من بلوغ نهائيات مونديال 1994، حيث فازت بلغاريا على فرنسا 2-1 في 17 تشرين الثاني عام 1993، برغم ان الاخيرة ضمّت عامذاك نجوماً بارزين امثال ديدييه ديشان وإيريك كانتونا ودافيد جينولا. خسارة قيل وقتها إنها غيّرت من وجه الكرة الفرنسية الى الأبد.