قبل وصوله إلى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، وضع السويسري جياني إنفانتينو عنواناً كبيراً في برنامجه الانتخابي، يتحدث عن رفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم. عنوانٌ كان بالإمكان قراءته بأنه محاولة لاستمالة الاتحادات الوطنية الصغيرة بهدف كسب أصواتها في السباق إلى الرئاسة، وخصوصاً أن هذه الخطوة لم تكن مسبوقة، بل هي من طبخ إنفانتينو أيضاً، وذلك في عمله مع الفرنسي ميشال بلاتيني الذي وصل إلى رئاسة الاتحاد الأوروبي بأصوات مشابهة، وقد شرع بعدها في حقبته إلى إرساء أنظمة في مسابقات الـ"يويفا"، فتحت الباب أمام الدول الصغرى في "القارة العجوز" للحضور بنحو أكبر في الساحات الكبرى، ومنها كأس أوروبا الأخيرة التي رُفع عدد منتخباتها إلى 24 منتخباً.

صحيح أن إنفانتينو استخدم هذه الورقة لرفع حظوظه الانتخابية، لكنه في نفس الوقت يسير على درب رؤساء سابقين حكموا المنظمة الكروية الأعظم، فهو يريد اليوم ترك بصمة تاريخية، تماماً كما فعل البرازيلي الراحل جواو هافيلانج عبر غمس اللعبة في عالم "البيزنس" وانفتاحه على أسواقٍ جديدة حيث لا تحظى اللعبة بشعبية كبيرة، مانحاً مثلاً شرف استضافة المونديال للولايات المتحدة عام 1994. وعلى خطاه، سار السويسري الموقوف جوزف بلاتر بسعيه الكبير إلى نقل الاستضافة إلى آسيا حيث السوق الكبيرة والمربحة، فكان مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان...
لكن إنفانتينو، وإن تحدث عن محاولة تحصيل أموال أكثر عبر رفع عدد المنتخبات (ربح الفيفا 5 مليارات دولار في المونديال الأخير)، لاستثمارها في تطوير الاتحادات الوطنية عبر ضخّ المزيد من المساعدات إليها، فإن هناك سلة من السلبيات التي تحيط بهذه الخطوة غير المحببة بالنسبة إلى كثيرين.
الحديث يبدأ من أهمية كأس العالم، فهي "بريستيج" بحدّ ذاتها، بحيث لا يستحق بلوغ نهائياتها سوى نخبة المنتخبات في العالم، وما رفع عدد المنتخبات إلا خطوة ستضرّ بمستواها العام. ففي المونديال يختلف الأمر عن "اليورو"، إذ إن البطولة الأوروبية لم تتأثر برفع عدد منتخباتها، لكون الوافدين الجدد أظهروا مستوىً طيّباً، من أمثال أيسلندا وويلز وألبانيا وغيرها. وهذه المسألة من المستحيل أن نعرفها في المونديال، إذ يُستبعد بشكلٍ كبير أن تأتي منتخبات ضعيفة من آسيا وأوقيانيا أو الكونكاكاف وحتى أفريقيا لتشكّل خرقاً كبيراً وترفع من المستوى التنافسي العام للبطولة.
طبعاً، قد يقول إنفانتينو إنه يريد أن يعطي فرصة للمنتخبات الأصغر لتقديم نفسها على الساحة الكبرى، لكن الواقع أن "الفيفا" إذا ما أراد إفادة هذه المنتخبات، فعليه أن يعطيها فرصة للعب مباريات أكثر عبر أنظمة مغايرة خاصة بالتصفيات. وبالحديث عن التصفيات، فإن مباريات كثيرة فيها تبدو مملة، فكيف إذا نُقلت هذه المباريات لتصبح على الساحة المونديالية. طبعاً، هنا ترتفع قيمتها الإعلانية لأنها تُلعب تحت عنوان كأس العالم، لكن قيمتها الفنية ستبقى كما هي.
كذلك، من شأن رفع عدد المنتخبات وزيادة الفترة الزمنية لتنظيم المونديال، خلق مشكلة في برنامج البطولات الوطنية حيث ستنضغط الأندية وتضغط لاعبيها بمباريات مكثفة، وهو ما سيؤثر أوّلاً بمستوى المونديال تماماً كما حصل في نسخة عام 2002 عندما اتفق المحللون على أن الخروج المبكر لمنتخبي فرنسا والأرجنتين كان بسبب الإرهاق الذي عاشه لاعبو المنتخبين بعد موسمٍ طويل.
إذاً، هي أسباب سياسية بالدرجة الأولى ترتبط بالعملية الانتخابية السابقة والمستقبلية، وهي عملية تجارية تهدف إلى تكريس كرة القدم بأنها رياضة تُغلّب منطق المال والأعمال على كل شيء. الكرة بطبيعة الحال لم تعد لعبة الفقراء، بل الأغنياء والأغنياء فقط.