"موسمٌ جديد يبدأ الآن". بهذه الكلمات توجّه مدرب ميلان فينتشنزو مونتيلا إلى لاعبيه عقب الفوز على يوفنتوس (1-0)، في المواجهة الخاصة بينهما في نهاية الأسبوع. كلام مونتيلا لم يكن نابعاً من تفاؤله برؤية فريقه يقترب من "السيدة العجوز" بفارق نقطتين على لائحة الترتيب العام، بل يرمي بشكلٍ أعمق إلى بداية حقبة جديدة لـ "الروسونيري" بعد سنوات طويلة من العذاب، بحيث لم يفز ميلان على "اليوفي" منذ 25 تشرين الثاني 2012 يوم سجل البرازيلي روبينيو من ركلة جزاء للفائز ليمنح المدرب الحالي ليوفنتوس ماسيميليانو أليغري فوزاً غالياً.

مذ ذاك الوقت حُكي كثيراً عن تراجع الدوري الإيطالي ودخول الملل إليه مع سيطرة "اليوفي" على زمام الأمور. الأمر صحيح بالمعنى العام، وأحد أسبابه الأساسية هو تراجع مستوى ميلان الذي شاهد يوفنتوس يحرز خمسة ألقاب متتالية لـ "السكوديتو"، في وقتٍ عرف فيه رجال ملعب "سان سيرو" تراجعاً مستمراً، فاحتلوا المركز الثاني بادئ الأمر ثم الثالث، فالثامن ثم العاشر، وبعده السابع في الموسم الماضي.

يقدّم مونتيلا حالياً خدمة صغيرة إلى ميلان وخدمة أكبر إلى الدوري الإيطالي عامةً

من هنا لا يبدو مستغرباً أن يعيش محبو الكرة الإيطالية نشوة فوز ميلان على يوفنتوس ليذهبوا إلى اعتباره عودة للحياة في ما عُرف يوماً بجنة كرة القدم التي تحوّلت جحيماً هرب منها النجوم بفعل ظروف ومشكلات متعددة. هذا الفوز الميلاني أشعر الكل بتلك الرومانسية التي عرفها الدوري الإيطالي يوماً، إذ حتى مونتيلا استعاد ذكريات طفولته في مشهد احتفال لاعبيه أمام جمهورهم، فهو رغم بروز اسمه مع فريق العاصمة روما، فإنه كان دائماً مشجعاً لميلان الذي حلم بارتداء ألوانه.
هو مونتيلا أصلاً الذي يبدّل اليوم من وجه ميلان والدوري الإيطالي عامةً. الهداف الأشوَل السابق تسلّم كرة نار من أسلافه المتعاقبين في الإشراف على الجهاز الفني، والذين حصدوا الفشل جميعاً بعد رحيل أليغري الذي يمكن القول إنه كان آخر من رفع ميلان إلى مصافّ فرق المقدمة في إيطاليا بحيث خدمته ظروف عدة وحمل بين يديه أوراقاً مميزة سبقت فترة التدهور وهجرة النجوم للفريق. يوم قدِم مونتيلا رأى فيه كثيرون أنه مجرد مدربٍ آخر لإضاعة الوقت، ومدرب وفق الميزانية المحدودة التي يملكها الفريق، وبالتالي إن بقاءه سيكون حتى إيجاد مالك جديد للنادي يمكنه ضخ الأموال لاستمالة أحد أفضل مدربي العالم.
وحده نائب الرئيس أدريانو غالياني كان مؤمناً بالمدرب الذي اختاره، وربما هذا الأمر عكسته فرحته بهدف مانويل لوكاتيللي، ثم صرخته الرهيبة مع إطلاق حكم المباراة صافرة نهاية اللقاء.
الواقع أنه يمكن الإيمان بمونتيلا وبالمشروع الذي يعمل عليه في ميلان، بحيث إنه حوّل فريقاً مملاً إلى مجموعة متماسكة وممتعة تعيش على دماء لاعبين شبان يجتهدون على أرض الملعب. والنقطة الأخيرة تُحسب لمونتيلا الذي لم يخشَ تجديد الثقة بالحارس جانلويجي دوناروما (17 عاماً)، ولم يتردد لحظة في تقديم لاعبٍ مثل لوكاتيلي (18 عاماً)، وهما اللذان كانا يبلغان من العمر 13 و14 عاماً على التوالي في المرة الأخيرة التي فاز فيها ميلان على يوفنتوس!
طبعاً يملك يوفنتوس ترسانة نجوم ترشحه بنحو أكبر لاستكمال المشوار نحو الصعود إلى منصة تتويج جديدة، لكن مع هذا الفوز لم تعد الحياة فقط إلى الـ "سيري أ"، بل نفخها مونتيلا في ميلان أيضاً، ليعود شريط الذكريات القديمة وتطل صور نجوم كبار من موقعة الكبيرين، فمن منا لا يذكر أيام الهولندي ماركو فان باستن والليبيري جورج وياه والأوكراني اندري تشفتشنكو واليساندرو دل بييرو وروبرتو باجيو وفيليبو إينزاغي وكريستيان فييري وفرانكو باريزي واليساندرو نيستا وباولو مالديني، وغيرهم من أولئك الذين جعلوا من تلك القمة أهم مباراة في العالم؟