قبل أشهر قليلة احتفلت الصحف الإنكليزية والفرنسية بمرور عشرين عاماً على تولّي الفرنسي أرسين فينغر تدريب آرسنال الإنكليزي، بيد أن مواطنه زين الدين زيدان لم يحتج سوى إلى عام واحد على تسلّمه تدريب ريال مدريد الإسباني حتى تحتفل به الصحف المدريدية والفرنسية وتتحول المناسبة إلى حدث في الصحافة الأوروبية.


إذاً أول من أمس أكمل "زيزو" عاماً بالتمام والكمال على رأس الإدارة الفنية للفريق الملكي. بدا الأمر غريباً للبعض أن تأخذ المناسبة كل الاهتمام الذي حظيت به، لكن في حقيقة الأمر فإن ما قيل وكتب لا يبدو كثيراً إزاء ما حققه بطل العالم عام 1998 في ملعب "سانتياغو برنابيو" في ظرف 365 يوماً، وهو ما يحتاج مدربون آخرون إلى سنوات طوال لإنجازه.
صحيح أن الكلمة الأولى تبقى للألقاب وهذا ما نجح فيه الفرنسي بقيادة الملكي إلى لقبه الحادي العاشر في دوري أبطال أوروبا بعد أشهر قليلة من تسلمه منصبه، إضافة إلى كأس السوبر الأوروبية ومونديال الأندية فضلاً عن الصدارة الحالية لـ "الليغا"، وكسر زيدان الرقم القياسي لمدرب الفريق السابق الهولندي ليو بينهاكر بعدم الخسارة في 38 مباراة على التوالي حتى الآن، لكن الأهمية تكمن في أمور أخرى تثبت عظيم ما تحقق وقدرات هذا المدرب التي شكّك كثيرون بها لحظة تسلّمه منصبه، خصوصاً أنها كانت التجربة الأولى له في المجال التدريبي على مستوى أندية الصف الأول، وكيف إذا كانت في فريق بحجم وتاريخ ريال مدريد؟
في الواقع ما نجح فيه "زيزو" أنه أعاد الريال ملكياً. ملكي بالاسم والفعل بعد فترة تدهور فيها حال الفريق وفقد الكثير من هيبته تحديداً مع رافاييل بينيتيز، حيث ارتقى به زيدان إلى مرتبة الفريق المخيف والمرعب على الساحتين الأوروبية والمحلية.


فرض زيدان شخصيته واحترامه على لاعبيه وهذا ناجم عن سيرته الذاتية كلاعب كبير


هذا الأمر بات يدركه تحديداً خصما "الميرينغيز" الأبرزان وهما غريمه التاريخي برشلونة وجاره اللدود أتلتيكو مدريد، إذ إن زيدان كسر هاجس "البرسا" الذي تملّك الريال كثيراً وهذا واضح من خلال إسقاطه إياه في الموسم الماضي في معقله "كامب نو" 2-1 وتعادله معه هذا الموسم على ذات الملعب 1-1 في "الليغا"، أما بالنسبة إلى "الروخيبلانكوس" فقد تمكن زيدان من كسر عقدة مدربه الأرجنتيني دييغو سيميوني تحديداً في ملعب "فيسنتي كالديرون" وألحق به هذا الموسم هزيمة مذلة بثلاثية نظيفة.
زيدان أثبت حقاً أنه مدرب من فئة الكبار في مدة زمنية قياسية، إذ إنه غيّر شكل الريال من خلال الكرة السهلة والممتعة التي يؤديها فضلاً عن التنويع، في اللعب والأهم من ذلك روحية الفوز التي زرعها في اللاعبين ما جعلهم كمقاتلين في الميدان لا يهدأون حتى اللحظة الأخيرة، وهذا ما تمثّل في العديد من المباريات التي قلبوا فيها النتيجة، وبالتوازي مع ذلك رفع الفرنسي ثقة اللاعبين بأنفسهم لتجاوز المصاعب كما حصل على سبيل المثال عند خسارة الملكي أمام فولسبورغ الألماني 0-2 في ذهاب ربع نهائي دوري الأبطال في الموسم الماضي ثم فوزه عليه إياباً بثلاثية نظيفة.
ما بدا لافتاً في زيدان أيضاً هو فرضه شخصيته واحترامه على لاعبيه وهذا ناجم عن سيرته الذاتية كلاعب كبير، حيث لم يتوانَ عن اتخاذ قرارات كبيرة لا تتوقف فقط على سبيل المثال على وضع الكولومبي خاميس رودريغيز على مقعد البدلاء، بل حتى استبداله النجم الأول للفريق البرتغالي كريستيانو رونالدو في بعض المناسبات وهذا ما حصل مثلاً في المباراة أمام لاس بالماس في "الليغا"، حيث لم يخف "الدون" تذمّره ثم ما لبث أن صافح زيدان بعد تسجيله هدفاً أمام بوروسيا دورتموند الألماني في دوري الأبطال كمن يقرّ له بأنه يمتثل لقراراته.
وبالحديث عن رونالدو فإن اللافت على المستوى الفني أن "ريال زيدان" لم يتأثر في المباريات التي غاب فيها البرتغالي وآخرها أول من أمس في الفوز على إشبيلية 3-0 في الكأس، حيث فاز في 10 من أصل 11 مباراة مقابل تعادل، وهذا غير قليل على الإطلاق ويعطي مؤشراً على الاستقرار الفني الذي أرساه الفرنسي في البيت الملكي بغضّ النظر عن هذا النجم أو ذاك.
"أريد أن أُعلن لكم أننا قررنا تسمية زين الدين زيدان مدرباً للفريق الأول"، هذه الجملة قالها رئيس الملكي فلورنتينو بيريز في مؤتمر صحافي في ملعب "سانتياغو برنابيو" في الرابع من كانون الثاني 2016. مضى عام لزيدان في مدريد، تغيّر فيه الكثير نحو الأفضل، وما هو ثابت أن ظهور بيريز في مؤتمر صحافي لإعلان مثل تلك الجملة مع تغيير الاسم سيطول كثيراً هذه المرة.