قد يكون من المجحف أن تُحصَر مشكلة كرة القدم بضعفٍ اتحادي وأندية "فاجرة" فقط، إذ للتحكيم دور أساسي في المشكلة القائمة وسط انعدام الثقة بالجهاز التحكيمي. والحديث عن الجهاز يعني حكاماً ولجنة، فحين تحتاج إلى طاقم حكام أجنبي لمباراة مصيرية في الدرجة الثانية، حتى لو كانت مصيرية، وحين تطلب حكاماً أجانب لمباراة يعرف كثيرون أنها "معلّبة"، فهذا سببه انعدام الثقة بالحكم اللبناني، وفي بعض الأحيان بالمسؤولين عنه.


مشكلة لها أكثر من سبب، قد يكون أحدها هو الأداء التحكيمي في أحيانٍ كثيرة، وبعض القرارات التي لا تمتُّ إلى المنطق التحكيمي، فهناك قرارات تحكيمية كانت أقرب إلى "الاختراعات" التي ضعّفت من صورة الحكام وهزّت الثقة فيهم، حتى انعدمت تماماً، فلم يعد هناك مكان للحديث عن الخطأ الإنساني.
لكن لماذا يرتكب الحكام مثل هذه الأخطاء؟
السبب الرئيسي هو الضغوط الكبيرة التي تُمارَس عليهم، وفي بعض الأحيان تهديد سلامتهم الجسدية، وحتى الاجتماعية عبر التعرّض لهم على صفحات التواصل الاجتماعي دون حمايتهم بنحو صحيح من قبل اتحاد اللعبة. وفي بعض الأحيان يعود السبب إلى "فلسفة" بعض الحكام ومحاولة تميّزهم بنحو خاطئ، ما يرتد عليهم سلباً.
في مكان آخر، قد يرى البعض أنَّ لجنة الحكام تتحمّل مسؤولية، إن كان على صعيد التعيينات، أو على صعيد المحاسبة. كلام فيه جانب من الصواب، لكن صعوبة التعيينات تلعب دوراً في ظلّ الواقع الصعب وعلاقة الأندية ببعض الحكام، سواء المباشرة أو غير المباشرة، إن كان بالنسبة إلى الإشكالات الحاصلة سابقاً في ما بينهم، أو على صعيد "العلاقات المميزة" بين بعض الحكام وبعض الأندية. هنا تكون اللجنة مضطرة إلى إبعاد حكم ما عن فريق معيّن، ما يؤثر بباقي التعيينات، ويؤدي إلى أن يقود الحكم عينه عدداً كبيراً من المباريات للفريق عينه.
لكن لانعدام الثقة بين الأندية والحكام أكثر من نوع، فهناك النوع الذي يعود إلى قرارات خاطئة ومتكررة للفريق عينه، وهناك في مكان آخر وأخطر تجارب سابقة لبعض الأندية مع بعض الحكام خلافاً للقانون تجعلهم يشكّون في هذا الحكم أو ذاك وفي صافرات معينة تحت شعار "دافنينون سوا".
ويعلم كثيرون بوجود علاقات بين بعض الحكام والأندية، رغم محاولات كبيرة ومضنية من لجنة الحكام للحؤول دون ذلك، وبالبحث المستمر عن متورطين وشطبهم من الجهاز. فحين يتصل حكم بنادٍ معيّن، لا يمكن أن يحصل هذا إلا إذا كانت هناك تجارب سابقة واتصالات متبادلة، وربما تعاون ورشى، وبالتالي يكون الاثنان "يعرفان" بعضهما وتصحّ عبارة "كما تكونون يولّى عليكم".
وحين يضرب نادٍ معيّن يده على الطاولة، ويؤكّد أنَّ هذا الحكم مرتشٍ، فإما أنَّ لديه دليلاً ويخفيه، ويكون هنا متواطئ، أو يقوم بهذا الأمر من منطلق ممارسة الضغوط للاستفادة لاحقاً، لكنه ينسى أن ما يقوم به الآن قد يقوم به غيره ويدفع الثمن بعد أن يكون قد قبضه قبل ذلك.
أيّاً كانت الأسباب، فالنتيجة واحدة، هي ضرب العمود الفقري لأيِّ بطولة، أي قضاتها، ومن لا يملك جهازاً تحكيمياً جيداً، لا يمكن أن يكون له كرة قدم وبطولات صحيحة.