صحيح أنه كان متوقعاً أن يلعب مدرب إنكلترا غاريث ساوثغايت بجملة من اللاعبين الجدد لإعطائهم خبرة المباريات الدولية في المواجهة أمام ألمانيا، لكن ما لم يكن متوقعاً أن يذهب المدرب الشاب إلى اعتماد استراتيجية جديدة جعلت من منتخبه جذاباً على المستطيل الأخضر، لا بل بالإمكان الاعتبار أنه يمكن التفاؤل بما سيقدّمه في نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا.


وقد يعتبر البعض أن هناك مغالاة في اعتبار أن إنكلترا قد تجد الطريق لإنهاء حرمانها القديم أي لقب كبير، والذي يعود إلى عام 1966 عندما أحرزت اللقب المونديالي على أرضها. لكن الواقع أنّ ما يُقدم عليه ساوثغايت اليوم يشبه إلى حدٍّ كبير ما دأب على فعله مدرب منتخب ألمانيا تحديداً يواكيم لوف، الذي نهل من مدارس المدربين الذين تعاقبوا على البروز في الدوري الألماني، فكانت النتيجة رفع الألمان للكأس الذهبية الأغلى عام 2014.
وهنا الحديث عن ذهاب لوف قبل أعوام إلى تجربة كل أساليب الفرق الناجحة في «البوندسليغا»، فاستعان باللاعبين المناسبين لتلك الاستراتيجيات، بغض النظر عن الأسماء، ليبدأ بإيجاد الترياق اللازم للعجز الذي ضرب ألمانيا لفترة لا بأس بها. فمن اعتناقه فلسفة يوب هاينكس، إلى أخذه الكثير مما رسمه الإسباني جوسيب غوارديولا في بايرن ميونيخ، تمكن الرجل من تأسيس منتخبٍ قوي أرعب وامتع العالم في آنٍ واحد.


لا يخفى أنّ ساوثغايت متأثر بالفلسفة
التي يعتمدها كونتي في تشلسي


ساوثغايت يسير على الطريق عينه حالياً، والدليل ذهابه أمام ألمانيا إلى اعتماد استراتيجية مطابقة لتلك التي يعتمدها تشلسي مع المدرب الإيطالي أنطونيو كونتي، فظهر الإنكليز بانتشار أفضل وبسيطرة أكبر على المساحات، وخصوصاً عند ضغطهم على حامل الكرة، فبدا الألمان مربَكين، ومرروا عدداً كبيراً من الكرات الخاطئة، لا بسبب قلة تركيزهم، بل جراء الضغط الذي مارسه عليهم رجال ساوثغايت.
الـ «نيو لوك» الجديد لمنتخب ساوثغايت يعطيه ديناميكية رهيبة على أرض الملعب، بغضّ النظر عن الخبرة التي يتمتع بها اللاعبون الشبان الذين اختارهم للمهمة. وبدا واضحاً أنّ المدرب الإنكليزي متأثر كثيراً باستراتيجية 3-4-3 التي كانت خلف نجاح تشلسي هذا الموسم، وخصوصاً بعدما وضع لاعبين أصحاب نزعة هجومية في مراكز متقدّمة، وتحديداً ديلي آلي وآدم لالانا اللذين يعشقان التحرك بحرية على أرض الملعب، ويتمتعان أيضاً بقدرات بدنية هائلة لمواكبة الدفاع في عملية العودة لحماية المنطقة.
الحقيقة أن ساوثغايت أحسن، لا في اختيار تلك الاستراتيجية المتوقع أن يستمر بها في المباراة أمام ليتوانيا غداً، بل في اختياراته للاعبين الذين بإمكانه ترجمتها بنحو مثالي، وتحديداً أولئك الذين يتمتعون بقدرة كبيرة على الجري، والسرعة والحيوية، والإيقاع العالي الذي يفرض نفسه في غالبية فترات الدقائق التسعين.
كل هذا رمى عن ظهر إنكلترا مشكلتها الكبيرة في الأعوام القريبة الماضية، وهي عدم تمكنها من رفع نسبة استحواذها في المباريات، إضافة إلى بطئها في الارتداد من الدفاع إلى الهجوم، وهي مسائل محلولة بوجود آلي، لالانا، وفاردي، الذين أصدروا هوية جديدة لمنتخب «الأسود الثلاثة».
طبعاً، لا يفترض بالإنكليز أن يحلموا كثيراً، لأن العمل بدأ الآن حيث يفترض أن يجد ساوثغايت اللاعبين المناسبين لاستكمال المشوار في النهائيات، والأهم أن يجد عناصر قادرة على تحمل ضغوط الإعلام والجمهور، حيث إنَّ هذا العامل يعدّ مفصلياً بالنظر إلى تأثير الصحافة والشعب باستقرار المنتخب، الذي بلا شك سيذهب إلى روسيا، وهو مؤمن بحظوظه بالفوز أكثر من أي وقتٍ مضى بفضل الجيل الشاب القادم.