مونزا | كثيرة هي المشاهد التي علقت في ذاكرة عشاق رياضة السيارات عموماً والفورمولا 1 خصوصاً عندما يرتبط الأمر بحلبة مونزا الإيطالية.


من مشاهد عبور «أسطورة» سباقات الفئة الأولى الألماني ميكايل شوماخر لخطّ النهاية على متن سيارة فيراري محتفلاً على طريقته الخاصة بانتصارٍ غالٍ في الديار، إلى مشهد اقتحام «التيفوزي» لأرض الحلبة التاريخية احتفالاً بنصرٍ آخر لـ «البارون الأحمر» على متن تلك السيارة الحمراء الشهيرة.
هي فعلاً مكان تاريخي وأثري لا بدّ لزائر إيطاليا من محبي الرياضة أن يعرّج إليه، تماماً كزيارته لـ «الدوومو» في مدينة ميلان المجاورة أو برج بيزا المائل أو بحيرة كومو أو البندقية، أو «الكولوسيوم» هناك في العاصمة روما.
في مونزا لا تشم رائحة احتراق الإطارات أو الوقود المنبعثة من السيارات فقط، بل رائحة التاريخ التي تملأ المكان أينما مررت. من تمثال البطل الأرجنتيني خوان مانويل فانجيو وسيارته المرسيدس، إلى منطقة الحظائر حيث يخيّل إليك مرور «شومي» والبرازيلي أيرتون سينا والفرنسي ألان بروست وغيرهم من الأبطال الكبار الذين عرفتهم هذه الرياضة وتركوا بصمتهم على إسفلت الحلبة.
التاريخ فعلاً هو ما يعطي قيمة لهذه الحلبة لدى عشاق الرياضة الأسرع في العالم وبقية رياضات السيارات، فهي افتتحت عام 1922 أي قبل 28 عاماً على انطلاق بطولة الفورمولا 1، وكانت إحدى ثلاث حلبات أصيلة في العالم وقتذاك، إلى جانب بروكلاندز البريطانية وانديانابوليس الأميركية. وازدادت قيمة مونزا مع وجودها على روزنامة سباقات الفئة الأولى عند انطلاقها عام 1950، فسطّر فانجيو والبطل المحلي البرت أسكاري (هناك منعطف يحمل اسمه على الحلبة) والبريطاني سترلينغ موس ملاحمهم البطولية هناك. وبطبيعة الحال غالباً ما كانت سباقات مونزا تحبس الأنفاس، ولعل أشهرها عام 1971 عندما فصلت أعشار بسيطة من الثواني بين السائقين الخمسة الأوائل في نهاية السباق.
إذاً التاريخ والسرعة هما ما يجعلان من مونزا أيقونة لدى محبي السباقات، إذ على هذه الحلبة تطلق السيارات العنان لسرعتها القصوى، وهذا ينطبق على مسافة 83% من مساحة الحلبة البالغة 5.793 كلم. ومع تطور السيارات بشكل كبير على هذا الصعيد واستخدام محركات «V10»، وتحديداً في الألفية الجديدة باتت سرعتها في مونزا تتخطى أحياناً 300 كلم/الساعة، مع وصول سرعة السيارات عند المنعطف الأول إلى 265 كلم/الساعة، ما يشير إلى أن الحلبة الإيطالية هي المكان الذي يمكنه إخراج الأفضل من السيارة وإظهارها بأبهى حلّة.


83% من مساحة
الحلبة تسمح
للسيارات الانطلاق بأقصى سرعتها


دافيدي روساتي، وهو أحد العاملين في الكادر الإداري للحلبة، أعاد في حديث إلى «الأخبار» سبب تقاطر حوالى 114 ألف متفرج إلى سباق مونزا للفورمولا 1، إلى الأجواء الاستثنائية التي يقدّمها السباق لمحبي الفئة الملكة. فبرأيه لا يعدّ عامل السرعة الأساس فقط «بل إن مونزا تعطي فرصة للجمهور لمشاهدة الأبطال عن كثب بحكم قرب المدرجات من الحلبة، والأهم منصة التتويج المعلّقة فوق خط الحظائر حيث يُسمح للجمهور بالدخول بعد نهاية السباق والوقوف تحتها للاحتفال مع الفائزين».
رأي تقني آخر لأحد مدربي فرق سباقات «جي تي» يشرح فيه أن سبب تعلّق الناس بمونزا هو ما تفرضه من تحدٍّ لدى السائقين الذين يقدّمون أفضل ما عندهم هناك، فيقول لـ «الأخبار»: «قد لا يكون هناك الكثير من المنعطفات في مونزا، لكن المتعة موجودة عند كل منعطف، انطلاقاً من المنعطف الأول الخادع الذي ترك ذكريات مليئة بالدراما لحوادث كثيرة، ومروراً بـ «أسكاري» ووصولاً إلى «البارابوليكا» الشهير، حيث يفترض أن يكون لدى السائق ثقة عالية بالنفس وبسيارته ويتمتع بتركيز على أعلى مستوى لكسب التحدي مع المنافسين والحلبة في آنٍ معاً».
هي مونزا المثالية بكل شيء، كالطبيعة الخلابة التي تحيط بها كونها تقع ضمن أراضي الفيلا الملكية التي تحمل اسم المنطقة (بنيت بين عامي 1777 و1780)، ما يدفع المشجعين إلى نصب خيمهم لقضاء لياليهم حولها. هي أصلاً تستقبلهم من دون تعقيدات وبسلاسة بفعل الطرقات المرسومة بدقة المؤدية إليها. وهي أصلاً السبب في وجود حياة في منطقة اسمها مونزا، تتحول مرة في السنة من مجرد مدينة رديفة لميلانو القريبة منها إلى أهم بقعة على الأراضي الإيطالية.