يتفاخر اللاعبون والمشجعون عادةً بملاعبهم لفخامتها معمارياً، ولشدة قدرتها على فرض نفسها، لا كملعب في وسط المدينة فقط، بل كمعلم سياحي قد يجذب إليه أناس من مناطق وبلدان أخرى. ومع العلم أن لفنون العمارة دوراً كبيراً فيها، إلا أن ما يصنع اسم ملعب ما، وما يصنع تاريخه وأمجاده، هو ما يسجله أو سجلته أقدام اللاعبين فيه. التاريخ هو للحظات الكروية والأهداف التي حفرت بذاكرة اللعبة ولن ينساها أحد، إذا ما هدِّم ملعب لينشأ بديل له.


«أولد ترافورد» ملعب مانشستر يونايتد شهد عدة مراحل من البناء والهدم. ففي عام 1941 شهد إعادة بنائه من جديد بعد هدمه من قبل الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية. ثم في عام 1992-1993، شهد استبدال ساحات الوقوف بالملعب، بملعب كامل المقاعد يسع لـ 45 ألف متفرج لتكون الأكبر في إنكلترا وقتها. فأل خير؛ إذ مع اعتماد الملعب الجديد نجح «الشياطين الحمر» بتصدُّر لائحة الملاعب الكبرى في إنكلترا، متفوقاً على خصمه التاريخي ليفربول وملعبه الـ«أنفيلد رود». وفي نفس الموسم أيضاً، تربع على عرش الدوري المحلي، جاعلاً الـ«ريدز» الذي لطالما سيطر على الصدارة، خلفه.
هذه حكاية من حكايات أشهر ملاعب إنكلترا، لكن الحديث هذه الأيام هو عن ملعب توتنهام «وايت هارت لاين». في المرحلة الـ37 من الدوري الحالي، لعب توتنهام آخر مباراة على ملعبه الذي بات على مشارف الهدم.
البدايات كانت من عام 1909، مع دخول توتنهام إلى دوري الأضواء، حيث لعب الفريق أولى مبارياته ضد مانشستر يونايتد، وانتهت بتعادل الفريقين 2-2. بدأ من هناك، ثم ختم للمفارقة مع نفس الخصم. نجح الفريق اللندني بأن يخط آخر انتصاراته على ملعبه ضد مانشستر يونايتد، تاركاً العلامة الأخيرة 2-1 لمصلحته. الهدم طبعاً لا يجري لسحق تاريخ بأكمله، بل لاستكمال ما عمل عليه الجنود القدامى، وما قدموه من عراقة لهذا النادي.
هذا الموسم لم يخسر توتنهام على ملعبه للمرة الأولى في تاريخ النادي منذ موسم 1964- 1965. استقبلوا 9 أهداف فقط، أي أقل فريق استقبل أهداف على ملعبه في الـ«بريميير ليغ» هذا الموسم، محافظاً على نظافة شباكه في 12 مباراة من أصل 19 لعبها في «وايت هارت لاين» هذا الموسم، ويبدو أنه سينهي هذا الموسم محافظاً على مركزه الثاني، ومتأهلاً إلى دوري أبطال أوروبا.
خطَّ اللاعبون على هذا الملعب في الموسم الحالي، وبعد 118 سنة على بنائه، ما يليق به. لكن الأمل الكبير هو أن تتكرر الحكاية التي حصلت مع يونايتد حين أحدثوا تغييراً جذرياً على ملعبهم، ونالوا الدوري سريعاً عليه. الميزة في الملعب الجديد هو أنه سيكون أكثر اتساعاً وأفضل تصميماً، لتبلغ سعته 61 ألف مشجع، بدلاً من السعة الحالية، أي 36 ألفاً. كذلك سيضم متحفاً للنادي وعدة ملحقات ترفيهية ومساحة للتسوق. وسيحتوي النفق المؤدي للملعب على عزل زجاجي، ما يسمح للجماهير برؤيتهم لحظة الدخول والخروج.
حقبة طويلة طويت قبل أيام، لكن هذه حال ملاعب إنكلترا عامةً. تتغير مع تغير المعايير وتطور العمارة والهندسة. في السنين الأولى، كان الملعب يتّسع لما يقارب 70,000 مقعد، لكن بعد كارثة هيسل وكارثة هيلزبره أجبرت الأندية الإنكليزية على عمليات الإصلاحات لملاعبها، وهذا ما جعل سعة «وايت هارت لاين» تقلّ لأجل السلامة للجماهير من جهة، وللتطوير من جهة أخرى. الإصلاحات الأساسية في معظم الملاعب كانت إدخال المقاعد والتخلي عن نظام وقوف الجماهير، والعمل على تخصيص مقاعد لجميع المشاهدين دون استثناء بحلول بداية موسم 1994-1995. هذا ما أجبر الأندية بأكملها على هدم المدرجات القديمة وبناء مدرجات مزودة بالمقاعد. طبعاً ستنخفض سعة الملعب، لكن بعض الأندية قامت بتغيير ملعبها وبناء ملاعب جديدة بالكامل، مثل سندرلاند الذي أجبر على التخلي عن ملعبه التاريخي «روكر بارك» والانتقال إلى ملعب الضوء.
هذه من عادات أندية إنكلترا، وليست جديدة على الإطلاق. لكن الجديد أن توتنهام قرر التماشي مع التطور الحاصل للأندية الكبيرة، والدخول في المنافسة معهم على هذا الصعيد أيضاً، فضلاً عن المنافسة على البطولات.