ما كان متوقعاً في الأيام الأخيرة حصل أول من أمس. توماس توخيل لم يعد مدرباً لبوروسيا دورتموند الألماني. لكن رغم أن هذا الطلاق بين الطرفين كان متوقعاً نظراً إلى المشاكل الشخصية التي وقعت بين توخيل والرئيس التنفيذي للنادي هانز- يواكيم فاتسكه، إلا أن انتهاء مشواره مع الفريق الأصفر بهذه السرعة القياسية يبدو صعباً على التصديق، حيث كانت كلّ التوقعات تشير إلى أن توخيل سوف "يعمّر" في ملعب "سيغنال إيدونا بارك" تماماً كما حصل مع سلفه يورغن كلوب الذي استمر في منصبه منذ 2008 حتى 2015 وكان بروزه فيه بعد أول عامين أو ثلاثة، إلا أن توخيل استطاع أن يترك بصمته سريعاً رغم صعوبة المهمة بالحلول في مقعد مدرب مثل كلوب. توخيل لا يمتلك الكاريزما أو حبّ الظهور الإعلامي كما كلوب لكنه شديد الشبه به في طريقة اللعب.


هكذا وعند قدومه إلى دورتموند لم يحسّ أحد بالفراغ الذي خلّفه كلوب الذي شدّ الرحال إلى ليفربول الإنكليزي، إذ استطاع توخيل ملأه سريعاً من خلال الكرة الهجومية الممتعة والضغط العالي والسرعة محافظاً على نهج سلفه الذي جذب إليه الأنظار، وأكثر من ذلك فإنه حقق أفضل انطلاقة موسم في تاريخ "البوندسليغا" لناحية الانتصارات والأهداف المسجلة وأنهى موسمه الأول في المركز الثاني خلف بايرن ميونيخ لكن مع إنجاز وهو أنه أصبح أفضل وصيف في تاريخ "البوندسليغا"، كما أنه ودّع مسابقة "يوروبا ليغ" من ربع النهائي في اللحظات القاتلة أمام ليفربول بالذات.


استطاع توخيل ملء الفراغ الذي خلّفه رحيل كلوب

لكن ورغم تراجع نتائج دورتموند هذا الموسم وترتيبه إلى المركز الثالث بغضّ النظر عن إحراز لقب الكأس وخروجه من دور الـ 16 لدوري أبطال أوروبا أمام موناكو الفرنسي، مع الإشارة إلى التأثير السلبي لحادثة التفجيرات التي طالت حافلة الفريق على اللاعبين، لا يلغي بأن المشروع كان واعداً أمام دورتموند بقيادة توخيل ولا يزال في بدايته، مع الإشارة إلى أن الفريق فقد أهم أعمدته ماتس هاملس وإيلكاي غوندوغان والأرميني هنريك مخيتاريان دفعة واحدة، كما أنه فتيّ بمعظمه من خلال المواهب المميزة التي جمعها توخيل في تشكيلته على غرار جوليان فايغل والفرنسي عثمان ديمبيلي والتركي إيمري مور والأميركي كريستيان بوليسيتش.
أمام هذا المشهد يصبح غير صحيح بأن توخيل لم يغادر بسبب خلاف وتباعد في وجهات النظر مع الإدارة، إذ أن ذلك لا يعود فقط إلى المباراة أمام موناكو عقب التفجيرات عندما اعترض المدرب على قرار الإدارة بخوض المباراة في اليوم التالي رغم الحالة النفسية السيئة للاعبين، بل إن الخلاف سببه صلاحيات توخيل والتي وجد أنها غير مطلقة وبينها على سبيل المثال اعتراضه على علمه ببعض الصفقات متأخراً كما الحال عند رحيل الكولومبي أدريان راموس وقدوم السويدي ألكسندر إيزاك.
وهنا يجدر القول إنه بغضّ النظر إن كان توخيل أم الإدارة على صواب، فإن الواضح أن شخصية توخيل التي تتسم بالصدامية بعكس هدوئه خلال المباريات أسهمت في رحيله عن دورتموند، إذ أنه واجه أيضاً المشكلة ذاتها مع فريقه السابق ماينتس، وهذا ما يختلف فيه عن كلوب الذي كان ذكياً في علاقته مع الإدارة وفي فرض شخصيته عليها كما في بناء علاقة وطيدة مع اللاعبين، وهذا ما لم ينجح فيه توخيل حيث أنه لم يكن متساهلاً معهم كما يظهر في خلافه مع نجم الفريق الغابوني بيار- إيميريك أوباميانغ، عندما قرر إبعاده عن مباراة خلال دور المجموعات في دوري أبطال أوروبا ضد سبورتينغ لشبونة البرتغالي لأسباب مسلكية، وما يؤكد ذلك عدم خروج لاعب واحد للدفاع عن توخيل منذ أن خرجت إلى وسائل الإعلام خلافاته مع الإدارة.
خلاصة القول إنها نهاية حزينة وخاطفة للعلاقة بين توخيل ودورتموند والتي كان يتوقَّع لها أن تطول أكثر بكثير. نهاية يبدو دورتموند خاسراً فيها، إذ إنه لن يعثر بسهولة على مدرب يمكنه الحفاظ على إرث كلوب، أما توخيل فقد دخل ملعب "سيغنال إيدونا بارك" مدرباً مغموراً وها هو يخرج منه اسماً كبيراً.