لم يكن مستغرباً أن يصدر مدرب المنتخب الفرنسي ديدييه ديشان قرارات استثنائية لدى جمعه لاعبيه في كليرفونتن، حيث منع عنهم لقاء وكلاء أعمالهم أو القيام بأي مفاوضات خلال وجودهم تحت الراية الوطنية.

قرار ديشان لم يكن عبثياً، إذ إن أي متابع لكرة القدم العالمية يمكن أن يلاحظ أن معظم لاعبي فرنسا هم أهداف لأهم الأندية في أوروبا، ما يعيد الى الذاكرة تلك الفترة التي عاشتها الكرة الفرنسية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة، حيث هاجر الفرنسيون بالمئات باتجاه البطولات الوطنية الأخرى التي خطبت ودّهم، والدليل أنه نادراً ما خلا فريق إنكليزي من لاعب فرنسي.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحدّ، بل كان للاعبين الفرنسيين تأثيرهم المباشر في نتائج فرقهم، أمثال زين الدين زيدان في يوفنتوس الإيطالي، ثم ريال مدريد الإسباني، وتييري هنري في أرسنال الإنكليزي، وويلي سانيول وبيشنتي ليتزاراتزو في بايرن ميونيخ الألماني، وغيرهم الكثيرين...
اليوم يعود المشهد نفسه، إذ إن عملية حسابية بسيطة توضح أن اللاعبين الذين صُنعوا في فرنسا هم الأكثر طلباً في سوق الانتقالات الصيفية، وهي المسألة الناتجة من النجاح الأكاديمي الذي لا تزال فرنسا تحصده منذ أن ركزت الأندية عملها في هذا المجال تحديداً بعد فشل "الديوك" في بلوغ نهائيات كأس العالم 1994.
من هنا، لا ضير من القول إن المبلغ القياسي الذي دفعه مانشستر يونايتد الإنكليزي من أجل بول بوغبا، لن يكسره سوى لاعب فرنسي آخر، والدليل الكلام الكثير الذي أثير في الأيام الأخيرة حول استعداد ريال مدريد الإسباني ومانشستر سيتي الإنكليزي لدفع 100 مليون يورو من أجل التعاقد مع مهاجم موناكو كيليان مبابي الذي تفجّرت موهبته هذا الموسم مع بطل فرنسا محلياً وأوروبياً.


الطلب الكبير على الفرنسيين يعكس استمرار العمل الناجح في الأكاديميات

وطبعاً، قد يأتي كثيرون ليقولوا إنه سيكون ضرباً من الجنون دفع هذا المبلغ الكبير في لاعب لا يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، لكن كل التحاليل التقنية والأرقام التي سجلها مبابي تشير الى أنه الشيء الكبير القادم في كرة القدم العالمية، رغم أن التجارب السابقة تقول بأن من المفضل أن يبقى في الإمارة الفرنسية لاكتساب المزيد من النضج والخبرة حتى لا يواجه مصير لاعب سابق في موناكو تسرّع في الانتقال الى مانشستر يونايتد وبمبلغ كبير أيضاً، قبل أن يتدهور مستواه ويجد نفسه أسير دكة البدلاء مع وصول المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو.
وبطبيعة الحال، تحوّلت موناكو الى مقصد لكل الراغبين في الحصول على الكنوز الثمينة، فأسماء توماس لومار، دجيبريل سيديبي، تييموي باكايوكو وبنجامان مندي، باتت في حسابات أبرز العقول التدريبية التي ترى فيها الدواء لمشاكل فرقها، وخصوصاً أن بعضها يشغل مراكز يندر فيها اللاعبون المميزون حالياً، أمثال مندي الذي قد يدخل مانشستر يونايتد وليفربول في معركة للحصول عليه، غير آبهين بدفع ثلاثة أضعاف المبلغ الذي دفعه فريق الإمارة لاستقدامه من مرسيليا في الصيف الماضي.
ويضاف الى مواهب موناكو أخرى من ليون، أمثال الهداف ألكسندر لاكازيت المطلوب في أرسنال الإنكليزي، ولاعب الوسط كورونتان توليسو الذي ترصده أرسنال ومواطنه تشلسي ويوفنتوس الإيطالي.
وبعيداً من الأراضي الفرنسية، وبعد حسم أبرز الهدافين الفرنسيين أنطوان غريزمان بقاءه مع اتلتيكو مدريد الإسباني، هناك موهبة شابة أخرى مطلوبة في أكثر من مكان ولها قيمتها المالية الضخمة في سوق الانتقالات. هو عثمان ديمبيلي لاعب وسط بوروسيا دورتموند الذي سار في مستوى تصاعدي منذ وصوله الى ألمانيا العام الماضي، ليصبح سريعاً مطلوباً في برشلونة الإسباني، في وقتٍ يقال فيه إن قيمته السوقية تجاوزت 60 مليون يورو.
مواهب كثيرة ومستفيدون كثر، فخزائن الأندية الفرنسية تنتعش مالياً، والمنتخب الفرنسي يعيش وفرة نجوم، ما يعود عليه بالفائدة الفنية، ولتصبح مسألة ترشيحه منذ الآن لنيل لقب مونديال 2018 أمراً طبيعياً.