من قال إن الحرب الباردة انتهت؟ هي مستمرة وتطل من بوابة الرياضة التي كانت أحد فصولها منذ بدايتها عام 1947، ووصلت إلى أوجها خلال تنظيم موسكو لدورة الألعاب الأولمبية عام 1980، حيث قامت الولايات المتحدة بمقاطعتها وضغطت على حلفائها للقيام بالمثل.


الواقع أنه منذ أن حصلت روسيا على شرف استضافة نهائيات كأس العالم عام 2018، عاد مشهد الصراع بينها وبين الغرب ليطلّ من جديد، ففتحت صفحة لحربٍ باردة تحمل صورة مغايرة عن الماضي البعيد، لكنها تشبهه في الكثير من الجوانب.
وها هي روسيا تستضيف كأس القارات ابتداءً من اليوم، وتعلم تماماً أنها في خضمّ حربٍ باردة رياضية، تريد الانتصار فيها وتدمير مخططات خصومها عبر النجاح في هذه «البروفة» قبل أن تتطلع إلى إبهار العالم عبر تنظيم عرسٍ كروي مثالي في السنة المقبلة.
وقد يجد البعض أن عبارات الحرب والانتصار والمخططات مبالغ فيها في هذه الفترة الزمنية، لكن لا بالنسبة إلى المطّلعين على الشأن الروسي، حيث يشمّ الروس رائحة المؤامرات الأميركية في كل أزمة يعرفونها، وهي أمور بدت واضحة في ردود فعلهم السابقة عندما حلّت الثورة في أوكرانيا أو عند هبوط أسعار النفط، وغيرها من المحطات السياسية والاقتصادية التي يحضر فيها الصراع الأميركي - الروسي.
من هنا، تجد «بلاد القياصرة» نفسها مطالبة بتنظيم بطولة كأس القارات من دون أي شائبة، إذ إن عين العالم على روسيا، التي لم تنسَ المطالبات الكثيرة لانتزاع شرف الاستضافة منها منذ اللحظة الأولى التي حصلت فيها على الضوء الأخضر لاحتضان أهم بطولة على وجه الأرض.
أتقولون إن الحرب الباردة انتهت؟ حسناً، لنستعِد سويّاً المشهد العام منذ تلك الضربة التي وجهها الروس إلى الغرب، تحديداً عندما فاز ملفهم بالاستضافة على حساب إنكلترا، وهي الحليفة التاريخية للولايات المتحدة الأميركية. وللمفارقة، إن الأخيرة خسرت أيضاً السباق إلى المونديال أمام قطر التي ذهبت إليها بطاقة الاستضافة لنسخة عام 2022.
وهنا تبدأ القصة التي تعيدنا إلى الحديث عن حرب باردة جديدة تتقمص شخصية كروية، إذ كما هو معلوم، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان على علاقات قوية مع الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزف بلاتر. تكفي هذه المعلومة لتثير شك الأميركيين وحلفائهم، فلم يكن من باب الصدفة أن تبادر الصحافة البريطانية قبل كل إعلام العالم لتتهم بلاتر بكل ما تملكه من كلمات، فكانت الشرارة الأولى إيذاناً بإسقاطه. أما السبب، فهو ببساطة المونديال الروسي، الذي جرى التصويب عليه من قبل الإعلام نفسه، ليتحرك الأميركيون ويبدأوا عملهم على الأرض.
وفي هذا الإطار، الكل يعلم أنها ليست مصادفة أبداً أن يكون مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) في قلب كشف المستور، وفي صلب الاعتقالات، ووراء كل المحاكمات التي انتهت بـ «قطع» رأس بلاتر وحلفائه وتغيير صورة اللعبة عامةً.
هي نفس الطرق التي تعتمدها الولايات المتحدة عادةً في عملها السياسي والعسكري، لدرجةٍ دفعت الضغوط بوتين إلى تشبيه ما يحصل مع صديقه بلاتر، بما واجهه مؤسس موقع «ويكيليكس» جوليان أسانج، وقبله الشهير إدوارد سنودن الذي اتهمته واشنطن بالتجسس بعدما كان عميلاً موظفاً لدى وكالة المخابرات المركزية، ثم وكالة الأمن القومي، وهو يعيش اليوم في روسيا.
إذاً، تدرك روسيا تماماً ما ينتظرها، فبالنسبة إليها التحديات الموجودة في كأس القارات راهناً، ثم كأس العالم تالياً، لا ترتبط بمشاكل مالية (سيكلفها تنظيم المونديال 40 مليار دولار)، بل هي بصعوبة حروبها القاسية، من أوكرانيا مروراً بالشيشان، ووصولاً إلى سوريا. تعرف موسكو أن أي خطأ في كأس القارات سيهيّج خصومها للتحريض عليها وتحويل العالم ضدها قبل كأس العالم المرتقبة، حيث لا يزال المناهضون للمونديال الروسي يأملون حتى هذه اللحظة سحبَ الاستضافة منه.
لكن احذروا من البديل في هذه الحالة؟ هي توأم بلاد «العم سام»، أي إنكلترا التي لم تبتعد يوماً عن تلك الحرب الباردة، لا بساستها ولا بصحافتها، التي ستنتظر الروس «على الكوع» ابتداءً من اليوم.