قبل نهائيات كأس العالم 2014، وتحديداً بعد فشل ألمانيا بالفوز في كأس أوروبا 2012، وقبلها بعامين بلقب المونديال، أصرّ كثيرون على أن يواكيم لوف لن يكون المدرب الذي سينهي فترة القحط التي عاشتها الكرة الألمانية التي كانت تبحث عن لقب كبير أوّل منذ فوز «المانشافت» بالبطولة القارية عام 1996.


جملة من الملاحظات رُسمت حول اسم لوف، ومنها حتى من أشخاص مؤثّرين في كرة ألمانيا على غرار «القيصر» فرانتس بكنباور، الذي وجّه في أكثر من مناسبة أسهم انتقاداته باتجاه «يوغي». وقتذاك كان كل الكلام يصبّ في خانة إفلاس لوف تكتيكياً، فحُكي كثيراً عن نفاد الأفكار الخلّاقة لديه لنقل المنتخب الألماني إلى مصافّ المنتخبات البطلة، لا بل ذهب البعض إلى الإشارة إلى أنه يسرق أفكار مدرب بايرن ميونيخ السابق الإسباني جوسيب غوارديولا، وتحديداً عندما دفع بالقائد المعتزل فيليب لام في وسط الملعب، تماماً كما فعل «بيب».
لكن لوف بدا غير متأثر بكل ما قيل عنه، فحافظ على رباطة جأشه رغم كل الضغوط، مدركاً أن مونديال 2014 هو المحطة الحاسمة بالنسبة إلى مسيرته، فما كان منه إلا تقديم المنتخب الذي انتظره الجميع طويلاً ليتوّج بالذهب.
ما سبق هذه المرحلة وما يعيشه المنتخب الألماني يكشف معدن هذا المدرب، فهو في خضم العاصفة الصعبة ظلّ مؤمناً بأن منتخبه يمكنه فعلها في البرازيل، حتى لو عاكسه أبرز النقاد الذين أشاروا إلى وجود أسماء أكبر في منتخبات أخرى مثل إسبانيا والأرجنتين، وأعطوا مثلاً عن ضعف تشكيلته عبر ذكر اسم جوناس هكتور الذي لا يلعب حتى مع أحد فرق المقدمة في ألمانيا، بل مع كولن. لكن لوف تمسّك بكل اسم وأسقط كل أفكارهم بلمسات معلم بدا أنه يحمل الكثير في جعبته، ولا يزال هناك أكثر منه ليقدّمه.
أما الدليل على هذا الكلام، فهو ما ظهر عليه منتخب ألمانيا في كأس القارة المقامة في روسيا حالياً، إذ بغضّ النظر عن فوز الألمان باللقب من عدمه، فإن الفائز الأكبر هو لوف نفسه، إذ يعود الفضل إليه في كل لمحة ومشهد وهدفٍ. أما السبب فيُقسَم إلى جزءين: الأول هو ثقة هذا المدرب بنفسه، التي جعلته لا يخشى خوض غمار كأس القارات بتشكيلة رديفة، رغم أنه يُحمَّل مسؤولية كبيرة، على اعتبار أن ألمانيا هي بطلة العالم ولا تحتمل أن يستهزئ المنتقدون باسمها.
أما الثاني، فهو الأفكار الاستراتيجية التي جعلت المنتخب الشاب ممتعاً إلى أبعد الحدود، إذ حتى عندما لعب بتشكيلة يمكن اعتبارها «الثالثة» أمام الكاميرون، لم يتبدّل شيء، بل بدا أن لاعبيه يؤدون وكأنهم يلعبون معاً منذ سنوات، علماً أنهم لم يتدربوا إلا مرة واحدة قبل مواجهتهم الودية أمام الدانمارك، التي سبقت اللقاء مع سان مارينو في تصفيات مونديال 2018، أي قبل السفر مباشرة إلى روسيا.


لو درّب لوف نادياً
كبيراً لاعتبره الإعلام الأعظم في العالم


ويستحق لوف المديح لأنه عرف ما يوجد بين يديه، رغم أن غالبية الأسماء التي يلعب بها غير معروفة على الساحة الدولية، فأقرّ تبديل الاستراتيجية التي دأب على استخدامها، وذهب إلى اعتماد 3-4-2-1، وهي استراتيجية تحتاج إلى أرجلٍ شابة لأنها تُشغل كل اللاعبين دفاعاً وهجوماً، فثلاثي خط الظهر يلعب متقدّماً، لكون الرباعي الذي أمامه يحميه في مساحة كبيرة، بينما ينشط طرفا خط الوسط كثيراً في الرواقين. أما اللاعبان اللذان يقفان في ظهر رأس الحربة، فهما مطالبان بالعودة إلى تسلّم الكرات ثم الانطلاق بالمرتدات السريعة، بينما يتحرك المهاجم الوحيد في عرض الملعب لتأمين خط واضح للتمرير.
أدرك لوف منذ البداية أن شبانه يمكنهم ترجمة ما يفكّر فيه، وما أصابوه حتى الآن لا بدّ أن يكون قد أشعره بالرضا، وفي نفس الوقت بالثقة للاستمرار في مشروعه الهادف إلى التجديد في التشكيلة الألمانية قبل المونديال الروسي. وهذه المسألة لا شك في أنها ستكون سهلة على «يوغي»، لكنها صعبة على مَن يمكن تسميتهم نجوم الصف الأول الذين، بعد متابعتهم لكأس القارات، لا بدّ أن يقلقوا على مراكزهم.
ومن هذه النقطة لا يخفى أن جيروم بواتنغ مثلاً، سيفكر كثيراً في أداء نيكلاس شوله الذي سيشكل خطراً عليه، وخصوصاً أن المدافع الشاب (يحمل رقم بواتنغ مع المنتخب) أصبح في فريق كبير هو بايرن ميونيخ الذي قيل إنه لا يمانع اليوم بيع مدافعه الأسمر بعد قدوم شوله إلى بافاريا.
كذلك، لا يبدو لاعب مثل مسعود أوزيل في مأمن، في ظل بروز أكثر من نجمٍ في مركزه، وتحديداً ليون غوريتسكا ثم كريم ديميرباي. ومثله توماس مولر الذي وجد لوف نسخة شابة عنه في التمركز وسرقة الأهداف تحت اسم لارس شتيندل. وحتى القيادة المستقبلية فكّر فيها لوف وأصاب في تفكيره، فهو مع إدراكه أن جوليان دراكسلر يملك موهبة استثنائية لا يضرّ بها سوى عدم انضباطه التكتيكي أحياناً، حمّله مسؤولية كبيرة بمنحه شارة القيادة، فأطل قائداً مميزاً ليقدّم أفضل صورة له حتى الآن منذ ارتدائه قميص ألمانيا.
ببساطة، كل ما فعله لوف حتى اليوم من تخطيط وبناء وتنفيذ، يجعل الكل يقول إنه أعظم مدرب على وجه الأرض لو كان طبعاً يدرّب نادياً كبيراً أو كان صاحب «بروباغندا» عالمية.




الأربعاء 21:00

البرتغال _ تشيلي