بعد ابتعاد لشهور، أكتب مجدداً بداعي مشاهد استفزازية برزت قبل أيام، من أطراف اللعبة كلها، وتكررت وستتكرّر.

قامت القيامة بعد ركلة جزاء احتسبها حكم لقاء الإخاء وضيفه الأنصار في ملعب بحمدون، سجل منها الأنصار هدف التعادل.

أكرر التعادل! واشتعل الملعب والمدرجات بين الجمهورين، وانصبت قناني المياه على أهل الملعب، وتدخل الوزير وبعض العسكر، وأخرجت جماعة الأنصار بحراسة أخوية. أعلن عضو الاتحاد - إداري الإخاء، تعليق مشاركته، واستنفر الإعلام بين مع وضد، وسُلّطت خناجر التآمر على بعض الحكام.
كل هذا بسبب صافرة جزاء جاء منها هدف تعادل، وعدّها البعض غير عادلة. لقطات كشفت عيوب وهشاشة هذه اللعبة عندنا وأطرافها جميعاً، من لاعبين وإدارات وجمهور وأمن وصولاً الى اتحاد اللعبة، المسؤول الأول، ليقع جهاز التحكيم ضحية كبرى أمام الجميع.
يا سلام. كل أطراف اللعبة عادلة وصالحة ولا تخطئ، فقط حكام اللعبة يخطئون ويجب محاكمتهم.
كرة لبنان يا جماعة تدور في ميدانٍ راقٍ ومتطورٍ وحضاري، فأمن الملاعب متوافر، وملاعب المباريات في خدمة الاتحاد، وجماهير اللعبة في قمة الثقافة الرياضية والأدبية. وحتى الإعلام مستقل تماماً وموضوعي. فقط "جهاز التحكيم" هو المصيبة. هل صدقتم! وأيّ حكم يطلق صافرة لا تعجبنا فهو منبوذ وحسابه عندنا.
هكذا وكأن أخطاء التحكيم لا تحصل الا في ملاعب لبنان. وللأسف، واقع مهزلة تتكرر كل فترة بالأخطاء والتعديات والمشاكل نفسها. وفي غياب الأمن الكافي والحلول الشافية.
لم يفهم أطراف اللعبة بعد واقع التحكيم وحساسياته (بما فيه من أخطاء وهفوات)، منذ أن ظهرت اللعبة (قبل 150 عاماً)، تحاول لجنة "البورد الدولية" للتحكيم وتطوير الجهاز زيادة عدد الحكام في المباراة وغرس التكنولوجيا (سلك خط المرمى).
وبرغم ذلك، ستبقى هناك أخطاء وهفوات محتملة لأن الحكم يقرر من حيثما يقف، وكما يقدِّر هو الحالة وفي لمحة بصر. والحكم الجيد هو الذي يقود المباراة بأقل الأخطاء، والأخطاء لن تختفي تماماً .. فماذا تريدون؟
المشكلة ليست في التحكيم، بل هي تكمن غالباً في جهل أو تعصب أو تحيز أو إحراج مسؤولين ولاعبين وإداريين، ما ينعكس على جماهير "مراهقة" لا ترضى بالخسارة أو بأكل الحقوق والتعدي - كما تتصور وتفسر بذاتها.
وهذه أمراض نفسية واجتماعية تضرب الثقافة الرياضية، والروح الرياضية وتتحول الى إظهار القوة والعنف لتخليص حقوقها من الآخرين!
ويتحول بعضهم الى رفع هتافات ولافتات غير رياضية .. أيضاً في وجه آخرين.
حوادث وحالات تضرب اللعبة وأطرافها جميعاً، بدلاً من إحياء الرياضة ودورها في هذه الأوقات الصعبة.
والحلول تكمن عند أطراف اللعبة جميعاً (الاندية، الاتحاد، الأمن، الملاعب) ليقدّم كل طرف فاعليه، بدلاً من أن يشحدوا ملاعب لبعض المباريات، وقوة أمنية كافية لضبط الجمهور من مراجع لا تحترم الرياضة وجماهيرها وأدوارها.
ونخشى أن يصل يوم نشحد فيه "حكاماً" يقبلون أن يديروا المباريات.
مهمة الجميع أن ينشروا ثقافة التحكيم، ويقبلوها ويتفهموا هفواتها وقواعدها. وعلى اتحاد اللعبة فرض القوانين على الجميع، من دون محاباة لأي طرف.
هي كلمة، لحماية هذه اللعبة وما تبقّى منها قبل فوات الأوان!