كان المشهد معبّراً ومؤثراً أول من أمس في ملعب "أنفيلد رود" قبل انطلاق مباراة ليفربول وليدز يونايتد في ربع نهائي كأس الرابطة الإنكليزية المحترفة. وقفت الجماهير في المدرجات وراحت تنشد نشيدها الشهير "لن تمشي وحدك أبدأ" بصخب.


لم يكن نشيدها هذه المرة موجّهاً إلى فريقها، بل إنه عَبَر المحيط ليُسمع صداه في البرازيل، ليشدّ من أزر فريق شابيكوينسي المكلوم بفقدانه جلّ لاعبيه جراء تحطم الطائرة التي كانت تقله فوق كولومبيا والتي حطّمت معها القلوب في العالم.
هكذا، وضعت الأندية واللاعبون المنافسات والتحدي والخصومة والمشاكسات جانباً واتحدوا في عبارات المواساة والتضامن مع الفريق البرازيلي. تعددت أشكال التعبير عن الحزن والتكاتف مع شابيكوينسي، وبدت الكرة قلباً يخفق بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية. لاعبو ريال مدريد وبرشلونة الإسبانيين وقفوا دقيقة صمت حداداً على الضحايا الذين أعلنت السلطات الكولومبية أمس أن حصيلتهم النهائية هي 71 شخصاً مقابل 6 ناجين، وذلك قبل حصتيهما التدريبيتين. المشهد كان في لحظة جامعاً بين الغريمين التاريخيين قبل "الكلاسيكو" الذي سيجمعهما السبت المقبل.


اتحد عالم الكرة وتعددت أشكال التعبير عن الحزن والتضامن مع فريق شابيكوينسي


أندية أخرى ونجوم مشهورون تسابقوا في توجيه تعازيهم عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي. مسؤولو اللعبة بدءاً من أعلى الهرم أي رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، السويسري جياني إنفانتينو، تشاركوا كلمات المواساة. في البرازيل أزالت الأندية صورها عن حساباتها في مواقع التواصل ووحّدتها بصورة شابيكوينسي، لا بل أكثر من ذلك عرضت إعارة كل منها لاعباً لهذا الفريق حتى يستطيع الوقوف على قدميه مجدداً ويواصل رحلته وحلمه الذي لن يموت.
حتى الجارة اللدودة والخصمة التاريخية كروياً، الأرجنتين، كان موقفها لافتاً ومعبّراً، بدءاً من الحكومة التي أرسلت تعازيها لنظيرتها البرازيلية وشعبها، إلى اتحاد الكرة الأرجنتيني الذي أبدى استعداده لمدّ شابيكوينسي باللاعبين. ولا يمكن طبعاً إلا إعادة التذكير بالموقف غير المسبوق للخصم الذي كان الفريق البرازيلي متجهاً لمقابلته في نهائي بطولة "كوباسوداميريكانا"، أتلتيكو ناسيونال الكولومبي، بالطلب من اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم "كونميبول" بمنح اللقب لشابيكوينسي.
هكذا، أظهرت لنا الكرة أنها ليست فقط وجهاً للخصومة بين أنديتها ولاعبيها وابتعادها في بعض الحالات عن الروح الرياضية، أو أن جمالها في أهدافها ومبارياتها المميزة فقط، بل إن الجمال الحقيقي تجسد أمس رغم كبر المأساة والكارثة، هو الجمال بوجهه الإنساني الذي وحّد عالم الكرة من أقصاه إلى أقصاه حول المصيبة.
في الحقيقة، هذا الجمال لا تخلو منه اللعبة، رغم قلّته، وهذا ما نراه بين الفينة والأخرى في المبادرات الإنسانية التي يقوم بها النجوم والأندية لرسم البسمة على وجه مريض هنا أو فقير هناك. المسألة هنا لا تتعلق فقط بالتبرعات أو تأسيس الجمعيات الخيرية - رغم أن البعض يرى فيها شكلاً من أشكال الفائدة لصورة النجم الشخصية، لكن الأخير في النهاية يقوم بخدمة تفرح من هو بأمسّ الحاجة لها، وهذا الأهم - بل بتحقيق الأمنيات ذات البعد الإنساني. وعلى سبيل المثال هنا تأتي استضافة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو للطفل الفلسطيني أحمد الدوابشة الناجي الوحيد من إحراق الإسرائيليين لمنزل أسرته، أو الطفل اللبناني حيدر مصطفى الذي استُشهد والداه في التفجير الإرهابي في الضاحية الجنوبية لبيروت أو لقائه في الأيام الأخيرة الشاب البولوني الذي أسهم النجم البرتغالي بشفائه بعد أن كان في غيبوبة لثلاثة أشهر، بعد أن طلب الأطباء من أهله أن يسمعوه التعليق على أحد أهداف "الدون".
كذلك، للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي مبادراته في هذا الجانب، التي تتمثل على سبيل المثال باستضافته الطفل الأفغاني الفقير مرتضى أحمدي الذي اشتهر بارتدائه قميصاً بلاستيكياً لنجم برشلونة، وقام بمنحه قميصه، أو لقائه رياضيين أولمبيين إسبان من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها الكثير من الأمثلة المتعلقة برونالدو وميسي ونجوم آخرين والتي تعكس الرسالة الحقيقية للعبة الشعبية التي تتخطى مجرد هدف هنا أو تسلل هناك.