ارتاح نيمار، وارتاح برشلونة، وارتاح عالم كرة القدم بأسره. وهنا الكلام ليس مبالغاً فيه أبداً، إذ إن مسألة رحيل نيمار عن النادي الإسباني من عدمه أتعبت الجميع، من إدارة «البرسا»، مروراً بجهازه الفني، ووصولاً إلى زملائه اللاعبين.


كذلك، لم يسلم الصحافيون من ذاك المسلسل الذي كانت نهايته معروفة بالنسبة إلى الشريحة الأكبر منهم، حيث كان عليهم متابعة المستجدات بحذافيرها، فوصل الحال بهم في الأيام الأخيرة إلى بث عشرات الأخبار المتعلقة بالنجم البرازيلي في ظرف ساعة فقط. كذلك يمكن القول إن المتابعين، وتحديداً جمهوري برشلونة وباريس سان جيرمان، ارتاحوا من ذاك المسلسل المليء بالفواصل المبهمة وذات النوعية السيئة، فعلموا النهاية التي كانت مأسوية للبعض وسعيدة للبعض الآخر.
إذاً حصل ما حصل، ليُفتح الآن الباب على الكثير من الكلام، فأول ما يمكن استذكاره مما حصل هو مرور برشلونة بهذه التجربة المريرة في أكثر من مرة خلال تاريخه الطويل، فالعودة بالذاكرة تأخذنا إلى لاعبين قاموا بنفس الفعلة المشينة بالنسبة إلى النادي الكاتالوني، لا بل إن فعلة البعض منهم كانت أشنع من غيره من خلال تحوّلهم إلى العدو اللدود ريال مدريد. وهنا يمكن ذكر أسماء الألماني برند شوستر، الدانماركي ميكايل لاودروب، البرتغالي لويس فيغو، والبرازيليان روماريو ورونالدو.
كل هؤلاء كانوا بمثابة الأيقونة في «كامب نو»، لكنهم اختاروا حزم حقائبهم، تاركين برشلونة أمام صدمة نفسية وفنية في آنٍ واحد، فهذا النادي العريق لم يكن سهلاً بالنسبة إليه (وهو الذي اعتاد جذب كل لاعب أراده)، أن يرى نجومه يرحلون عنه رغم معارضته لهذا الأمر. وهذه المسألة كانت معياراً لتقويم عمل الإدارات، فطارت رؤوس مديرين ورؤساء جراء تلك «العمليات الانتحارية» التي قام بها هؤلاء النجوم، وأثرت بشكلٍ أو بآخر على «البلاوغرانا».


سعر نيمار يساوي خمسة أضعاف قيمة نادي مرسيليا


وهنا قد يكون الكلام على تأثير فني لرحيل نيمار، أقل مما قيل في الماضي البعيد عند رحيل أولئك النجوم الآنفي الذكر، إذ إن «البرسا» اليوم يملك أكثر من نجمٍ، فلا ضرورة لذكر وجود الأرجنتيني ليونيل ميسي والأورواغوياني لويس سواريز معه، للدلالة على أن ثقل الفريق لن يهبط كثيراً، فتأثير نيمار من دون شك سيكون حاضراً، لكن ليس بالشكل الذي يتخيّله البعض. وهذا المشهد المستقبلي المتوقّع يمكن عكسه من خلال تجارب الموسم الماضي، حيث ظهر الفريق أفضل بغيابه في محطات عدة، وأفضل بوجوده من دون ميسي وسواريز، ما يعني أن فكرة «النجم الأوحد» تصبغ رأس قائد «السيليساو» تماماً كما يصبغ اللون الأصفر شعره الغريب.
والكلام عن الجانب الفني يجرّنا إلى الحديث عن كيفية تصرّف إدارة برشلونة الآن لإسكات جمهورها الغاضب بلا شك. هذا الجمهور الذي كان ينتظر أن يجلب إليه الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو وجماعته نجماً بحجم الإيطالي ماركو فيراتي، لكن ها هو يراقبه وهو يتلقى صفعة من نادي الأخير باريس سان جيرمان الذي ردّ الصاع صاعين وأكثر لمجرد طمع «البرسا» بلاعبه المفضّل.
222 مليون يورو، هو مبلغ كافٍ لشراء نادٍ كامل في الدوري الفرنسي أو ربما أكثر، إذ إن الغريم التقليدي لباريس سان جيرمان، أي مرسيليا، كان قد نقلت ملكيته إلى فرانك ماكورت مقابل 45 مليون يورو فقط العام الماضي، أي إن البرازيلي كلّف النادي الباريسي أكثر بخمسة أضعاف من ثمن النادي الجنوبي!
لكن برشلونة ينظر اليوم إلى المبلغ الذي دفعه نيمار لفسخ عقده كطعم لاصطياد نجم بحجمه أو ربما أكبر. لكن أيضاً سيثير هذا الطعم الكبير طمع الأندية التي سيرصد «البرسا» نجومها، إذ إن كلاً منها سترفع من قيمة لاعبيها بنحو واضح، ما يعني أن صفقة نيمار أضرّت بسوق الانتقالات عامة، والذي سيشهد تضخماً رهيباً، بحيث قد نرى أكثر من صفقة كبيرة في الأيام القليلة المقبلة، وبالتأكيد في السوق الشتوية التي ستكون مرتقبة في مطلع السنة المقبلة، وخصوصاً بعدما سقطت الخطوط الحمراء بحيث لم يعد هناك أي لاعب ليس للبيع، لتترسخ عبارة «لكل واحد ثمنه».
رحل نيمار، في خطوة يمكن قراءتها بأنها درس في الطموح اللامحدود حيث يبدو واضحاً أن اللاعب أراد أن يضاعف من حجم نجوميته ويخرج من عباءة من هو أكبر منه هناك في برشلونة. لكن هي خطوة يمكن قراءتها أيضاً وكأنها محاولة انتحار، فمن يجرؤ على ترك متعة اللعب في برشلونة قد يجد نفسه معزولاً ومحروماً. وهنا التصويب على ما يمكن أن يجده نيمار صعباً للتحقيق في المستقبل القريب، وهو الفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم، التي تلعب الأندية وهيكلية فرقها وإنجازات هذه الأخيرة دوراً أساسياً في رسم دربها الذي لم يجد يوماً نهايته في العاصمة الفرنسية.




ميسي مودِّعاً نيمار: أحبك كثيراً

مع إعلان نيمار رحيله عن برشلونة، كان النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي صاحب الرسالة الأكثر عاطفية، حيث ودَّع زميله البرازيلي من خلال ما نشره في حسابه الشخصي على «انستاغرام»، حيث ترك شريط فيديو يضم صوراً لهما بقميص النادي، مرفقاً إياه برسالة جاء فيها: «كانت سعادتي كبيرة بتمضية سنوات معك. صديقي نيمار جونيور. أتمنى لك المزيد من التوفيق في هذه المرحلة الجديدة من حياتك. إلى اللقاء».
وأنهى ميسي الرسالة بثلاثة أحرف هي اختصار لعبارة «تي كييرو موتشو» بالإسبانية، وتعني «أحبك كثيراً».
وردّ نيمار على ما نشره ميسي بالقول: «شكراً أخي. سأفتقدك».
بدوره، كتب الفرنسي صامويل أومتيني على «تويتر»: «أتمنى لك التوفيق في مسيرتك المستقبلية»، ليردّ عليه نيمار بالقول: «شكراً صامو!».