ما يحصل في سوق الانتقالات في السنوات الأخيرة بات يفوق الوصف والتصديق ويتخطى جميع الخطوط الحمر، ضارباً عرض الحائط بجميع مفاهيم كرة القدم وجوهرها الذي صنعته الأقدام الحافية في شوارع الأزقة والحارات متوّجة الكرة بأنها لعبة الفقراء.


غير أن الأرقام الفلكية التي باتت تُدفع الآن ضربت الكرة في الصميم ونزعت عنها صبغتها، حيث بات العنصر المالي عند الأغلبية الأعم هو المسيطر والمتحكّم بمفاصل اللعبة، وباتت الأندية تتنافس خارج المستطيل الأخضر على دفع المبلغ الأعلى للتعاقد مع هذا اللاعب أو ذاك، بينما اللاعبون أضحوا لا يتوانون عن ترك كل شيء واللهث خلف الأموال كما حصل مع البرازيلي نيمار الذي ضحّى بفريق كبير مثل برشلونة وبطولة مثل "الليغا" كرمى لعيون أموال باريس سان جيرمان ولو تطلّب الأمر منه اللعب في بطولة مثل "الليغ 1" لا تحظى بشعبية ومتابعة.


يونايتد الذي يُنفق ببذخ حالياً اشترى
في الماضي لاعباً مقابل المثلجات!


هكذا رأينا أن النادي الباريسي دفع 222 مليون يورو مقابل نيمار، فيما أنفق مانشستر سيتي الإنكليزي حوالى ربع مليار يورو من أجل إبرام تعاقداته، وكذا كانت الأموال التي دفعها كل من مانشستر يونايتد وتشلسي الإنكليزيين فلكية ويكفي اختصارها بمبلغ 85 مليون يورو من الأول مقابل البلجيكي روميلو لوكاكو و80 مليون يورو من الثاني مقابل الإسباني ألفارو موراتا، وهذا ما كانت عليه الحال في العام الماضي مع مبلغ 120 مليون يورو من يونايتد مقابل الفرنسي بول بوغبا و90 مليون يورو من يوفنتوس الإيطالي مقابل الأرجنتيني غونزالو هيغواين، وقبل ذلك 100 مليون يورو من ريال مدريد الإسباني مقابل الويلزي غاريث بايل وغيرها الكثير من الأمثلة، حتى باتت مبالغ مثل 20 و30 و40 وحتى 50 مليون يورو عادية في هذا الزمن... يا لهذا الزمن!
أمام هذا المشهد المؤلم، يصبح الضحك السبيل للتخفيف من قسوة الواقع، إذ إن كل محب للكرة يشعر بالأسى بأن تتحول لعبة الملايين والفقراء إلى لعبة الأثرياء والبيع والشراء بأثمان غالية، كما الحال في مزاد علني يكسب فيه أو "يحمّل البضاعة" من يدفع أكثر.
شتان هنا بين الماضي والحاضر. إذ في السابق لم يكن العنصر المالي متحكّماً، بل حتى إن بعض الأمثلة الطريفة للانتقالات تُظهر كم أن اللعبة كانت "بريئة". هذا ما يخبرنا عنه على سبيل المثال انتقال اللاعب الروماني ماريوس سيوارا حيث باعه فريقه آراد إلى ريغال هورنيا عام 1998 مقابل 15 كلغ من اللحم. نعم صدقوا أن هذا ما حصل حينها.
وإذا كان انتقال سيوارا مقابل اللحوم، فإن انتقال النروجي كينيث كريستينسن من فريق فيندبارت إلى فليكيروي كان مقابل 75 كلغ من الجمبري.
ودائماً مع الأطعمة، فإن اللاعب الإنكليزي جيوليانو غراتزيولي أُعير عام 1997 من ويمبلي إلى ستيفينج مقابل ألواح شوكولاته وأكياس رقائق البطاطس.
الحديث هنا طبعاً عن أندية ولاعبين مغمورين، لكن هذا لا يمنع من أن الأمثلة تطال أيضاً أندية معروفة ولاعبين وصلوا إلى النجومية.
إذ إن مانشستر يونايتد، الذي يُنفق في الوقت الحالي مبالغ طائلة، تعاقد عام 1920 مع اللاعب هوغ ماكلينهان من ستوكبورت كاونتي مقابل 3 مجمدات كاملة من المثلجات (آيس كريم)، ذلك أن المدرب المساعد ومسؤول التعاقدات حينها في يونايتد، لويس روكا، كان يدير شركة للمثلجات وقد نجح في إبرام هذه الصفقة بسبب المعاناة المالية لستوكبورت كاونتي.
الكل طبعاً يتذكَر أيان رايت النجم الإنكليزي السابق الذي تألق في صفوف أرسنال في فترة التسعينيات، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن رايت بيع في مطلع مسيرته عام 1985 من غرينويش بورو إلى كريستال بالاس مقابل آلات لكمال الأجسام.
بهذه الطرق، كانت تتم بعض الصفقات في الماضي. ليت الزمان يعود إلى ذلك الماضي.