المشهد الذي كشفته كرة القدم في نهائي كأس النخبة بين النجمة والعهد الشهر الماضي، لا يعكس سوى ثابتة واحدة، هي أن اللعبة باتت في مرحلة مغايرة كليّاً عن تلك التي شهدناها، أقله في الأعوام العشرة الأخيرة.


فالمشهد الجماهيري الضخم ليس سوى تعبير عن حالة شعبية ورسمية تعيشها اللعبة حالياً، وهو أمر يمكن استخلاصه من تزايد واضح ولافت في عدد جمهور العهد مثلاً، الذي بات يواكب العمل الكبير لإدارة ناديه طوال المواسم السابقة، الذي أثمر في الموسم الماضي استعادة لقب الدوري.
ويمكن القول إن موجة الفوتبول تعمّ لبنان من شماله إلى جنوبه، مروراً بالداخل والجبل، ووصولاً إلى العاصمة، إذ عادت اللعبة لتكون محطّ اهتمامٍ عام، وهي مسألة نمت بفعل النتائج الطيّبة للمنتخب الوطني سابقاً، ومن ثم من خلال التحدي الذي فرضه بعض الأندية على بعضها الآخر، إن كان في الشق الإداري أو في الشق الجماهيري.
ومن خلال هاتين النقطتين، يمكن الكلام على توقّع أقوى موسمٍ سنشهده منذ سنوات طويلة، فالميزانيات التي رصدتها أندية المقدمة، والأرقام التي دُفعت في بعض اللاعبين، بدت غير مسبوقة حتى في كل الرياضات اللبنانية. وموجة ضخ الأموال أملاً بنتائج أفضل بدأت تترسخ كثقافة في الفوتبول اللبناني، فأصبحت تتنقل من طاولة إلى أخرى في الأندية، وهي أصلاً بدأت تؤتي ثمارها، والدليل ما حققه العهد في البطولة العربية الأخيرة. وهذا التوجّه حاضر بقوة في الأنصار، وبالزخم نفسه، أو حتى أقوى في النجمة هذا الموسم مع الاستقرار الإداري الذي دخله النادي «النبيذي». وكل هذا ينعكس إيجاباً على المستوى الفني عامةً، ما يجعل اللعبة أكثر جاذبية، فينجذب إليها جمهور جديد، وتكبُر شريحة متابعيها، وبالتالي المعلنون سيدخلون ملاعبها، وكلما ازدادت العائدات، تعززت مساحات التطوير لتجلب معها نتائج خارجية أفضل، إن كان على صعيد المنتخب أو الأندية.


المسؤولية على عاتق الكل لإخراج موسمٍ ناجح يواكب مرحلة التطور التي دخلتها اللعبة

لكن، كما في كل مشروع كبير، فإن الانتقال إلى مرحلة جديدة يفرز حذراً أيضاً، فالحساسية التي تكبُر أيضاً بين أندية عدة، تترك قلقاً حول تشويه الصورة العصرية التي ترسمها أطراف كثيرة حالياً. فالجمهور هو عنصر أساس في تظهير موسمٍ ناجح في كل المعايير، وهي مسألة ترتبط بعمل الأندية بالدرجة الأولى لتطهير مدرجاتها وتنظيم صفها الشعبي، حتى لا تكون شريكة في أي خراب يضرب اللعبة، التي يرى كثيرون في مرحلتها الجديدة مساحة استثمارية، والدليل الصراع الكبير وغير المسبوق على كسب حقوق النقل التلفزيوني، والذي شهد ما شهده من إثارة ضاهت أقوى مباريات البطولة...
أما الجانب الثاني الحساس، والذي يجب أن يواكب المرحلة الجديدة والواعدة، فهو الشق التحكيمي، الذي يعدّ أساساً أيضاً في صناعة بطولة خالية من الشوائب. والتطرق إلى هذا الشق هو بسبب ظهور التحكيم كمشكلة رئيسية في الموسم الماضي، حيث شابت غالبية المراحل أخطاءٌ غير مقبولة، وإن كان بعضها إنسانياً. وهذه المسألة عرف الاتحاد أهميتها ومدى تأثيرها في المجريات العامة، فكانت الخطوة الأخيرة التي تواكب العملية التطويرية الشاملة في اللعبة عبر استقدام مدير فني للحكام هو الدانماركي يورن وست لارسن.
إذاً، يبقى أن ينتقل الفوتبول اللبناني إلى كل بيت مع 12 نادياً يشكّلون عصب اللعبة ويجمعون حولها الآلاف في كل الملاعب وخلف شاشة التلفزيون، فأيام الزمن الجميل حاضرة في زمننا الحالي، والكل لمس حتى قبل بداية الموسم مدى تزايد شعبية اللعبة الأولى في لبنان، ومدى ترقب الجمهور الكبير لانطلاق البطولة، وهو الأمر الذي يترك مسؤولية على كل الأطراف المعنية، المطلوب أن تعكس معاً الصورة الحقيقية للكرة اللبنانية، بعدما وضعت نفسها أخيراً في مكان مقبول على الساحتين العربية والآسيوية، بفضل الخطوات التطويرية لشريحة بقي إيمانها كبيراً باللعبة، رغم كل الظروف التي مرّت بها في الألفية الجديدة.