ينطلق اليوم موسم جديد من الدوري اللبناني لكرة القدم. من المفترض أنه نسخة جديدة من دوري هواة، لكن الفترة الصيفية السابقة وما شهدته من تعاقدات ودخول لاعبين محترفين إلى البطولة المحلية، إضافة إلى الأموال التي صُرفت وستُصرف، تضعك أمام سؤال بسيط: هل ما زال دوريُّنا دوريَّ هواة؟


أم أصبح دوريَّاًَ محترفاً؟ أم نسخة مشوهة من احتراف بعيد؟
من المستحيل اعتبار دوري ما في بلد ما دورياً محترفاً وموجوداً في نظامه أنّ اللاعبين حين يوقّعون على كشف أي نادٍ يكون تحت بند يفرض عدم تقاضي أموال، وفي الوقت عينه من المفترض أن جمعيات كرة القدم هي جمعيات لا تخضع لنظام الضرائب. لكن في ظل تقديرات تشير إلى أن حجم الأموال التي ستصرف هذا الموسم تقارب عشرة ملايين دولار، من الصعب اعتبار الدوري اللبناني دوري هواة.
رقمٌ يبدو مخيفاً في لعبة لم تشهد في تاريخها ضخَّ هذا الكمّ من المال. هذا الـ«TURN OVER» من الأموال لطالما كان ميزة في لعبة كرة السلة، لكن الموسم الكروي 2017-2018 لا يبدو أنه سيكون بعيداً عن القيمة المالية لـ «الباسكت».
فإذا أخذنا اللاعبَين الأكثر نجومية في لعبتي كرة السلة وكرة القدم، أي القائدين فادي الخطيب وحسن معتوق، نجد أن عقد معتوق هذا الموسم أكبر من عقد الخطيب. هذا ليس مقياساً يُبنى عليه، لكنه مؤشّر على التغيير الكبير الذي طرأ على كرة القدم هذا الموسم.
قد يجد البعض أن طرح مبلغ 10 ملايين دولار كقيمة مادية للدوري هذا الموسم أمرٌ مبالغ فيه، لكن في نظرة سريعة إلى الفرق الثلاثة التي تتمتع بالحظوظ الأكبر للمنافسة على اللقب، أي العهد والنجمة والأنصار، نلاحظ أنّ موازنة هذه الفرق هذا الموسم تقارب، منطقياً، خمسة ملايين دولار، في ظل ما صُرِف وسيصرف خلال الموسم. أما الملايين الخمسة الأخرى، فهي ليست كثيرة على تسعة أندية، أيضاً كانت لها تعاقدات ومصاريف.


تقارب قيمة الحركة المالية في الدوري هذا الموسم 10 ملايين دولار


ما يوحي أيضاً أن دورينا أصبح محترفاً، هو عدد اللاعبين اللبنانيين الذين كانوا محترفين في الخارج، وسيكونون حاضرين بدءاً من ليل اليوم على الملاعب اللبنانية. هؤلاء أتوا بعقود، وغيرهم وقّعوا عقوداً مع أنديتهم. بعضها مثبّت في الاتحاد اللبناني لكرة القدم الذي يتقاضى نسبة 5% من قيمة العقد، على ألّا تقلّ عن مليون ليرة لبنانية إن كان اللاعب لبنانياً، و10% إن كان أجنبياً. لا يجري تثبيت جميع العقود، وهذا أمر له مخاطره على اللاعبين في حال حصول خلاف مع النادي. فحينها لا يستطيع اللاعب الذهاب إلى الفيفا وتحصيل حقه. وفي الوقت عينه يمكن النادي أن يتضرر إذا قرر أحد اللاعبين الاحتراف في الخارج دون حفظ حق النادي، حيث يمكن أن يحصل على بطاقته الدولية من الفيفا، لكونه مصنّفاً كهاوٍ، نظراً إلى عدم تثبيت العقد.
في اتحاد كرة القدم هناك 49 عقداً مثبّتاً، يملك نادي النجمة حصة الأسد فيه مع 12 عقداً. هذا لا يعني أن باقي الأندية لا تملك عقوداً مع لاعبيه، وخصوصاً نادي العهد، لكن معظمها ليس مثبّتاً لدى الاتحاد. فالعهد ثبّت 3 عقود، وألأنصار 4 عقود، والصفاء 3 عقود والراسينغ 3 عقود، إضافة إلى أندية أخرى.
ليست هناك فترة ملزمة لتثبيت العقد في الاتحاد اللبناني. المهم أن يوثَّق قبل انتهاء مدته. حصل هذا الأمر مع اللاعب شادي سكاف الذي ثبّت عقده مع السلام زغرتا قبل فترة وجيزة من انتهائه، وقام بفسخه مسدداً البند الجزائي لينتقل إلى التضامن صور بعدها.
أمر غير صحي آخر تشهده مسألة العقود، هو تثبيتها بأقل من قيمتها الحقيقية. هناك الكثير من العقود التي ثُبِّتَت بقيمة مشكوك في صحتها، ومنها للاعبين كبار هذا الموسم. الهدف من وراء ذلك هو التوفير على جيب الأندية وخفض قيمة النسبة الاتحادية، لكن هذا فيه خسارة للاعب في حال حصول خلاف مع النادي، حيث إن المراجع الرسمية لا تعترف إلا بالقيمة المعلنة.
أمرٌ يمكن تداركه اتحادياً عبر خفض النسبة المفروضة على عقد اللاعب اللبناني لتشجيعه على تثبيت عقده بقيمته الحالية، وفي الوقت عينه تنبيهه إلى مخاطر التلاعب بقيمة العقد لما فيه من انعكاس سلبي عليه.
لكن هل العشرة ملايين دولار، ومجيء اللاعبين المحترفين، وتثبيت العقود هي ما تجعل دوريَّنا محترفاً؟
قطعاً لا، فكرة القدم اللبنانية بعيدة كل البعد عن الاحتراف. فهذا المبدأ لا يمكن أن يكون من خلال المال أو العقود. وفي ظل وجود مئات اللاعبين المسجلين في سجلات الاتحاد، مقابل تثبيت 49 عقداً فقط، هذا يؤكّد أن لا احتراف في لبنان. هي منظومة متكاملة من اتحاد إلى اندية إلى لاعبين وحتى إعلام. ولعل ما تشهده كرة القدم من أخطاء إدارية، خصوصاً في الأندية، يؤكّد أننا ما زلنا محترفي هواية، وما تعيشه كرة القدم اللبنانية ليس أكثر من تركيبة غير ناجحة لتطوّر اللعبة في لبنان.