لم يكن بالإمكان تصديق ما حصل مع المنتخب الهولندي في التصفيات المؤهلة الى نهائيات كأس العالم 2018 لكرة القدم في روسيا. ذاك المنتخب الذي كان في فترة من الفترات قبلة للأندية وكشافيها الراغبين في اصطياد المواهب. وهو المنتخب الذي قدّم يوهان كرويف ويوهان نيسكنز ورود غوليت وفرانك رايكارد وماركو فان باستن ودينيس بيرغكامب وغيرهم الكثيرين.


لكن مع مرور الزمن باتت هولندا مجرد دولة عادية في عالم الفوتبول، وهي التي كانت رائدة في اختراع فلسفاته، مصدّرة من أنديتها مواهب محلية واجنبية، ومدربين اغنوا اوروبا كلّها، لكن ليس بعد الآن...
صحيح ان الهولنديين بلغوا المباراة النهائية لمونديال 2010 ثم احتلوا المركز الثالث في المونديال الذي تلاه، لكن من تابع عن كثب الكرة الهولندية واحوالها في الاعوام الستة الاخيرة، ادرك بالتأكيد أن مرحلة الهبوط آتية لا محالة، وقد تُرجم هذا الامر في عدم تمكن المنتخب البرتقالي من بلوغ نهائيات كأس اوروبا 2016، ليقف اليوم امام المأساة نفسها التي عرفها بين عامي 1982 و1984، والتي للمصادفة تلت بلوغه نهائي المونديال في عامي 1974 و1976.


كان كرويف أول
من توقّع تدهوراً في حال المنتخب الهولندي



وقتذاك لم تنتظر هولندا كثيراً للنهوض مجدداً، اذ رغم عجزها عن بلوغ مونديال 1986، تنعّمت بجيلٍ رائع بعد عامين، لتحمل لقبها الدولي الوحيد في كأس الامم الاوروبية. لكن بعد فشل حقبة المونديال الحالية، لا يمكن تشبيه تلك المرحلة بما تُقدِم عليه هولندا، اذ لا مواهب جديدة على صورة غوليت وفان باستن، ولا مدرب يحمل افكاراً عصرية، ولا اندية مرشحة للبروز على الساحة الاوروبية هذا الموسم لتعطي دفعة معنوية وفنية للكرة في البلاد المنخفضة.
أما اسباب تدهور المنتخب الهولندي فهي كثيرة، وتبدأ من الاتحاد المحلي الذي يبدو كأنه يدور في نفس دائرة الاسماء في كل مرة يختار فيها مدرباً لتدريب "الأورانجي". فمن غوس هيدينك الذي استنفد افكاره وسبقه تطور الكرة، الى داني بليند الذي كان مساعداً له وتحوّل في ليلة وضحاها الى مدرب للمنتخب الوطني اثبت فشله عندما سقط امام بلغاريا في التصفيات بعدما اشرك المدافع اليافع ماتييس دي ليت صاحب الـ17 عاماً فقط، فأخطأ الاخير (رغم موهبته) تحت الضغوط، وتسبّب بالهدفين اللذين دخلا مرمى بلاده، فتمت اقالة بليند. لكن، وفي وقتٍ اعتقد فيه الكل بأن البوصلة ستتجه الى رونالد كومان الذي يعدّ ابرز مدربي هولندا حالياً، كادت الادارة تنتحر بتثبيت مساعد بليند الحارس السابق فريد غريم في منصب المدرب، حتى ذهبت الى اعتماد ديك ادفوكات في خطوة متخلّفة ايضاً.
اذاً هي مشكلة مزمنة عنوانها عدم اختيار المدرب الصحيح او الاتجاه الى خطة جديدة بجلب مدربٍ اجنبي (آخر مدرب اجنبي لهولندا كان النمسوي الشهير إرنست هابل عام 1978)، لكن المشكلة اكبر عندما يرتبط الامر بالتشكيلة الهولندية التي شاخ نجومها، مثل اريين روبن وروبن فان بيرسي وويسلي سنايدر، ولم تستطع هولندا ايجاد من يمكنهم حمل الشعلة خلف هؤلاء، فكان من تمّ استدعاؤهم مجرد فقاعات هواء اعلامية، ولقوا الفشل الذريع على الساحة الدولية. وهذا الامر مردّه الى سببين: اولهما رمي هولندا لمواهبها تحت الاضواء قبل نضوجها (تماماً مثل حالة دي ليت)، وثانيهما ضعف الدوري الهولندي الذي لا يخلق للاعبين الشبان ذاك الاحتكاك التنافسي الحقيقي، ما يجعلهم غير قادرين على مجاراة خصومهم على الساحة الخارجية.
كذلك، يضاف الى هذه المسألة تسرّع النجوم الصاعدين في الانتقال الى دوري اقوى، على غرار ما حصل مع ممفيس ديباي الذي تحوّل الى مانشستر يونايتد، ليظهر بعدها ان نقلته كانت خطوة سيئة دفع ثمنها غالياً المنتخب واللاعب شخصياً.
هولندا خارج المونديال. هو امر غير مستغرب، فمن يستعِدْ تصريح الراحل الكبير يوهان كرويف في 2010 يعرف السبب الرئيس. هو توقعها عندما قال: نحن نتخلى عن انفسنا بتخلينا عن الكرة الشاملة". مات كرويف، وها هو منتخب بلاده في مرحلة الموت البطيء بعد تخليه عن مبادئ ملهمه الاول.