لا يمكن استيعاب ما حصل مع إيطاليا حتى الآن، وليس غريباً أن يبقى الحديث عمّا سمّاه الطليان «نهاية العالم» مستمراً لأسابيع طويلة.

كأس العالم بلا إيطاليا، وإيطاليا بلا كأس العالم. هي فعلاً مشكلة للطرفين اللذين يخرجان خاسرين من الصورة، ولو أن خسائرهما متفاوتة في هذا الإطار.

الواقع أن من تابع خط الكرة الإيطالية منذ تلك المرحلة التي تلت فوز «الآزوري» بلقبه العالمي الرابع، لا يفترض أن يتفاجأ بما حصل، إذ إن المتابعين عن كثب أدركوا منذ فترة لا بأس بها أن الزلزال آتٍ لا محالة، وذلك لأسبابٍ كثيرة يتحمل الطليان مسؤوليتها قبل أي أحدٍ آخر.
وهذه الأسباب تبدأ من إهمال الاهتمام بالنشء وفق فلسفة علمية، وتمرّ من خلال عدم تسويق الدوري الإيطالي بنحو مثالي ليدرّ الأموال على الأندية حتى تحافظ بالتالي على نجومها أو تستقطب آخرين، وتصل إلى عدم دراية هذه الأندية إدارياً بما يضمن استمرارها ويعطيها الحياة الطبيعية للحفاظ على وضعٍ فني مستقر.
وعند هذه النقاط يمكن بدء الحديث عما خسره مونديال 2018 بغياب إيطاليا عنه. الحقيقة أنه وفقاً للأداء الفني الذي قدّمه الطليان في التصفيات الأوروبية المؤهلة إلى كأس العالم، وصولاً إلى اللقاءين المفصليين مع السويد في الملحق، لا يمكن أن يخرج محبو الكرة الوسطيين ليندبوا حظهم لعدم وجود المنتخب الإيطالي في روسيا، إذ إن منتخبات أخرى يمكن أن تترك أشياء عامة تعطي إثارة ورونقاً للبطولة أكثر مما يمكن أن تقدّمه إيطاليا في الفترة الحالية.
فمع هذا المنتخب الإيطالي لم يخسر العالم التعرّف إلى شيء تقني جديد، إذ على غرار فقدانها لقدراتها الهجومية منذ فترة طويلة، لم يكن لدى إيطاليا أي شيء جديد لتقدّمه على صعيد الأساليب الدفاعية التي اشتهرت بها، لا بل إن خصومها باتوا يتقنونها أكثر منها، والدليل موقعة «سان سيرو» التي عجز خلالها الطليان عن تخطي الجدار السويدي الحديدي.
وإذا كانت كأس العالم قد خسرت شيئاً بغياب إيطاليا، فهو «البريستيج» فقط لا غير، حيث إن أي مباراة يكون المنتخب الإيطالي أحد طرفيها، ستكون مباراة تحمل عنواناً وجديرة بالمتابعة، وذلك استناداً إلى تاريخ المنتخب الإيطالي لا حاضره. أضف أن المونديال يمكن تسويقه أفضل بوجود المنتخب الأزرق ومجموعة الأسماء الكبيرة التي يضمها، رغم أنها بدت صغيرة على الساحة الدولية، بعكس حضورها القوي غالباً على صعيد الأندية.
وعند الجانب التسويقي يمكن بدء الحديث عن خسائر إيطاليا التي بلغت أرقاماً قياسية عند الخروج من الدور الأول في مونديال 2014، حيث ذُكر أن شركة «بوما» التي ترعى «الآزوري» من خلال تزويده بالتجهيزات استرجعت 5 ملايين قميص لم تُبَع في المتاجر بعد 6 أشهر على نهاية البطولة العالمية، وذلك رغم إيعازها إلى متاجرها بالشروع في تنزيلات على الأسعار، لكن بلا جدوى.
الخسائر في هذا المجال ستكون أقسى هذه المرة، مع استعداد الشركة ورعاة المنتخب الإيطالي الأساسيين لتحضير حملاتهم الإعلانية للمشوار المونديالي، لكن كل إعلاناتهم ومخططاتهم ستُلغى بكبسة زرٍّ واحدة. أضف في الجانب المالي توقّع تراجع قيمة الكرة الإيطالية في سوق الإعلانات، وهو ما سينعكس سلباً على الدوري الإيطالي، إذ كانت أنديته قد فقدت أصلاً الكثير في الأعوام الأخيرة جراء هروب المعلنين منها إلى بطولات أخرى، وخصوصاً البطولة الإنكليزية التي أصابت أرقاماً قياسية في عائدات النقل والتسويق في الموسم الماضي.
أما الخسارة الأكبر لإيطاليا، فستكون في تراجع أسهم بطولتها وأنديتها مقارنةً بالبطولات الوطنية الأخرى، أمثال البطولة الألمانية أو الفرنسية اللتين تقدّمان مواهب فذّة وضعت «المانشافت» و«الديوك» في مقدمة المنتخبات التي ستنافس على الكأس الغالية في الصيف المقبل.
إذاً هي خسائر لا تُحصى للكرة الإيطالية التي فقدت ثقة العالم بها، لكنها بلا شك قادرة على النهوض مجدداً، فالأمم الكروية الكبرى لا تعرف معنى الركود الطويل، ولو أن الطليان لا يمكن أن يلوموا إلى أنفسهم لدخولهم في سبات عميق عقب فوزهم المونديالي الأخير، وذلك رغم الإنذارات الكثيرة التي صمّت آذانهم في آخر مونديالين دون أن تحرّك أصحاب القرار الذين حوّلوا ما سُمِّي يوماً «جنة كرة القدم» إلى جحيمٍ أحرق كل من فيه.