تتسارع الأحداث والتطورات في عصر السرعة، وتتبدّل الأحوال والظروف بين "كلاسيكو" وآخر، لكن بطريقة إيجابية بالنسبة الى طرفيه: ريال مدريد وبرشلونة.

وفي أسبوع "الكلاسيكو"، لا يمكن سوى التطرق الى كل الجوانب التي باتت أكثر من أي وقتٍ مضى، وازدادت أهميتها بالنسبة الى كرة القدم الإسبانية بشكلٍ عام، لا فقط بالنسبة الى الفريقين الغريمين.

وانطلاقاً من التوقيت الاستثنائي لأول "كلاسيكو" في "الليغا" هذا الموسم (13.00 بتوقيت إسبانيا)، يمكن الانطلاق عن مدى الأهمية الاقتصادية والثقل المالي الكبير الذي يحمله هذا اللقاء، والذي دفع الاتحاد الإسباني للعبة الى محاولة إرضاء كل المعمورة من خلال وضع توقيتٍ له يتناسب مع كل المشاهدين حول العالم.
لكن ما هو الهدف؟ ولماذا لم يتمّ إقرار توقيت مماثل في مواسم سابقة؟
الهدف واضح: مكاسب مالية أكبر من خلال رفع نسبة المشاهدة، وتحديداً في السوق الآسيوية، فإذا كان هذا التوقيت مبكراً بالنسبة الى أوروبا وقسمٍ من آسيا، فإنه ملائم تماماً لبلدانٍ كثيرة في القارة الصفراء، حيث سيكون بين فترة بعد الظهر والفترة المسائية المثالية التي تبلغ فيها المشاهدة التلفزيونية ذروتها. وهنا الحديث عن بلدانٍ مثل الصين واليابان وأندونيسيا وسنغافورة، التي يأمل القيّمون من خلالها تخطي الـ 650 مليون مشاهد للمباراة.
هو رقم طبيعي بالنظر الى الاهتمام المتزايد بـ"الكلاسيكو"، ومع توسّع الدوري الاسباني الى بلدانٍ جديدة بات يحوز فيها شعبية لافتة، وخصوصاً تلك التي لا تعدّ فيها كرة القدم اللعبة الشعبية الاولى، على غرار الهند حيث تتفوّق الكريكيت، وقد برزت أخيراً رياضة "الكابادي" كإحدى الألعاب صاحبة الشعبية المتنامية سنة بعد أخرى.
بطبيعة الحال، وفي بلدٍ مثل إسبانيا، عانى ما عاناه يوماً جراء الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي أثرت بشكلٍ أو بآخر على الأندية كلّها (ولو بشكلٍ أقل على قطبَي اللعبة هناك)، فإن الحاجة كبيرة للانفتاح على السوق الآسيوي، وهي المسألة التي كان قد أقدم عليها برشلونة في الصيف الماضي بتوقيعه على عقدٍ رعائي مع شركة "راكوتن" اليابانية مقابل 220 مليون يورو لأربع سنوات.
لكن الهدف لا ينحصر بالرعاية على القميص فقط، فهناك منافسة مفتوحة مع الدوري الإنكليزي الممتاز تحديداً، والذي بسط سيطرته منذ زمنٍ بعيد في سوق آسيا، وما محاولات "الكلاسيكو" حالياً إلا لاختراق أرضه قبل أن تتسع الهوّة في المكاسب الاقتصادية التي تفرزها البلدان الآسيوية، وذلك من خلال بيع منتجات الأندية في سوقها، وهو أمر أساسي في ميزانية أرباح كل نادٍ مع ختام كل موسم.
وهذه المسألة ينظر إليها برشلونة وريال مدريد أيضاً في السوق الأميركية الجنوبية التي يناسبها التوقيت الاستثنائي لمباراة السبت، إذ صحيح أن غالبية البلدان الأميركية الجنوبية تعيش فقراً في مكانٍ ما، لكن حجم القدرة الشرائية كبير في هذه البلدان، وهو أمر مهم جداً أيضاً.
لكن الأهم هو إيجاد التوازن بين كل الأسواق العالمية، إذ حتى السوق العربي أكثر من أساسي بالنسبة الى الريال و"البرسا"، والدليل توزّع الإعلانات في ملعبي الفريقين وهي تحمل أسماء مؤسسات عربية، والتي كانت مساهمة بلا شك في وصول القيمة الإعلامية لآخر "كلاسيكو" بين الفريقين الى 42.5 مليون دولار.
ومع هذا، يبقى هدف القيّمين على "الليغا" رفع القيمة الإجمالية لحقوق نقل مباريات الدوري تلفزيونياً الى أكثر من مليارَي دولار (قيمتها 1.9 مليار دولار حالياً)، لكي يقتربوا من سعر حقوق الدوري الانكليزي التي قاربت الـ 4 مليارات دولار. وهذه المسألة لن تتم إلا من خلال كسب مشاهدين جدد من قلب آسيا المجنونة بالكرة الانكليزية، كون توقيت مبارياتها في نهاية الأسبوع يتناسب مع ساعات الذروة التلفزيونية.
إذاً "الكلاسيكو"، مع كل ما يحمله من قيمة مادية وقوة اقتصادية رهيبة، هو المنقذ الأول للكرة الاسبانية، التي بدأت تشعر بالتهديد من أندية البطولات الأوروبية الوطنية الأخرى، والتي تدخلها رؤوس الأموال الأجنبية بالجملة، وهو ما سيعطيها أفضلية مستقبلية، وقد بدأت بوادرها أصلاً مع العدد الكبير للأندية الإنكليزية المتأهلة الى دور الـ 16 في دوري أبطال أوروبا، مقابل ظهور ريال مدريد وبرشلونة كمحاربين وحيدين على الساحة القارية، مع تراجع اتلتيكو مدريد هذا الموسم.