835 مباراة خاضها رونالدينيو في مسيرته. لا لم تكن تلك مباريات، كانت أمسيات كروية ساحرة وحكايات. في كل مباراة حكاية. حكاية فنّ كروي خطّها هذا البرازيلي بإتقان. حكاية أهداف وتمريرات ومراوغات، الكثير من المراوغات، التي لا تخرج إلا من قدم لاعب فنان.

لم يكن رونالدينيو لاعباً فحسب، كان عازفاً على نوتة الإبداع، كان رساماً لأروع اللوحات، كان معجماً يحوي كل مفردات الكرة. كان بحراً للكرة الساحرة لا ينضب، كان عطر الكرة الأجمل.
لم يكن رونالدينيو لاعباً فحسب، كيف يكون مجرد لاعب من صفّق له جمهور ملعب ريال مدريد "سانتياغو برنابيو" ذات أمسية كروية ساحرة في 19 تشرين الثاني 2005 عندما سجل هدفين بقميص برشلونة من "كوكب آخر" وقدّم لمحات يندر أن تتكرر؟ أن تكون لاعباً في "البرسا" يصفّق له جمهور الريال في ملعبه التاريخي، هذا يكفي ليختصر روعة رونالدينيو.

أن تقول رونالدينيو يعني أن تحضر إلى الذهن تلقائياً صورته بقميص "البرسا" أكثر من تجربتَيه الأوروبيتين مع باريس سان جيرمان الفرنسي وميلان الإيطالي. هناك، في "كامب نو"، عاش "روني" أجمل اللحظات في مسيرته، لا بالأصح عاش الجمهور الكاتالوني الفرح الكثير مع لاعب كبير قبل مجيء النجم الحالي الأرجنتيني ليونيل ميسي. رونالدينيو غيّر الكثير في برشلونة. كان صاحب القميص الرقم 10 الذي انتظرته المدينة طويلاً وغنّت له كثيراً. كان النجم الذي تغنّت به بوجه الغريم الريال وفريقه "الغالاكتيكوس" الذي ضمّ أفضل النجوم، فتمكن البرازيلي من قيادة سفينة الفريق بأفضل ما يكون، وترجم هذا التألق بلقب دوري أبطال أوروبا في 2006 وكرته الذهبية الوحيدة في 2005 على الصعيد الشخصي.
فلندع كل الأهداف والتمريرات، وتحديداً المراوغات الاستعراضية التي كان يبرع بها رونالدينيو كما لم يفعل سوى قلة غيره والتي لا يُخفي أنه تعلّم جانباً منها من مشاهدة الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا ومواطنه زيكو، حتى إنه لم يتوان عن الاعتراف بأنه كان يتابع مهارات النيجيري جاي جاي أوكوتشا، رغم أن الأخير أقل منه نجومية بكثير، ولنبقى عند مشهد آخر يُظهر عظمة هذا النجم وهو مشهد جماهير سان جيرمان التي كانت تحضر إلى ملعب "بارك دي برانس" قبل ساعتين من المباراة فقط لتشاهد تدريبات "روني" واستعراضه لمهاراته. هكذا، لم يكن "روني" مجرد لاعب، كان مصدر فرح للجماهير التوّاقة إلى الفنّ الكروي الجميل.
كثيرة هي اللقطات التي صنعها رونالدينيو والتي جعلته من أفضل اللاعبين الذين أنجبتهم الكرة والتي ستبقى ماثلة في الأذهان ومدرسة تقصدها الأجيال. نعم رونالدينيو مدرسة بحد ذاتها يندر أن تعثر على مثيل لأبجدياتها الكروية.
ما يميّز رونالدينيو كما نجوم آخرين قليلين أنه كان يلعب الكرة كعاشق، قبل أن يكون لاعباً يحصل على مرتّبه في نهاية الشهر. هذا ما تخبرنا عنه عودته إلى بلاده بعد تجربته الأوروبية الأخيرة مع ميلان ليلعب لفلامنغو وأتلتيكو مينيرو وفلومينينسي، تخلّلها مرور سريع على المكسيك مع كوريتارو. هكذا لم يحرم "روني" أبناء بلده من كرته، لم يبخل عليهم بسحره.
هذا العشق تمثل في مشهد آخر وهو تجوّله فى بلدان عدة، بينها لبنان، رغم تقدّمه في السن بعد توقفه عن اللعب في 2015 (قبل اعتزاله رسمياً أمس) ليخوض مباريات استعراضية ويرسم الفرحة على الوجوه.
أمس، عند الإعلان عن اعتزال رونالدينيو، توجّه إليه برشلونة بتحية جاء فيها: "رونالدينيو ابتسامة الكرة. ساحر الكامب نو. شكراً على كل شيء"... هذه العبارة لرونالدينيو تختصر الحكاية.