السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان عند متابعة تصفيات قارة آسيا المؤهلة إلى كأس العالم لكرة السلة هو: ما هي الفائدة من هذا النظام الذي يختلف تماماً عن كل ما تمّ اعتماده سابقاً لتحديد هوية المنتخبات الممثِّلة للقارة الصفراء في كأس العالم؟ الإجابة ليست بتلك الصعوبة بالنسبة إلى المتابعين. تطفو الإيجابيات الكثيرة على النظام المعتمد، منها المالية ومنها الفنية، وحتى الجماهيرية.


ففي نظرة عامة حول آسيا، يمكن استخلاص مدى استفادة البلدان المدركة لكيفية تسيير لعبتها من هذا النظام، وتحديداً من الناحية التسويقية – المالية. قبل المحطة الثانية للتصفيات تجد أن بلداناً مثل الفيليبين وكوريا الجنوبية، كانت قد عرضت بطاقات مبارياتها للبيع قبل نحو الشهر على موعدها، وقد تم بيعها كلّها. الأمر عينه ينطبق على مباراة الصين وهونغ كونغ، إذ رغم أن هذا اللقاء لم يكن متكافئاً بالمعنى الفني السلوي فقد تمّ بيع كل بطاقاته عند استضافة «التنين» للمواجهة الأولى. كذلك، تبدو الصورة نفسها في كوريا الجنوبية ونيوزيلندا وغيرها من البلدان التي تكتسي فيها كرة السلة شعبية كبيرة وتقدّم منتخبات من المستوى الأول.
ومع انتشار المباريات، حول القارة الآسيوية، بحيث تلتقي المنتخبات الآن ذهاباً وإياباً، اقتحم المستثمرون هذه الدائرة بعيداً من استثماراتهم الكلاسيكية في الأندية دون سواها، فأطل رئيس اتحاد كرة السلة الفيليبيني ورجل الأعمال الثري مانويل «ماني» بانغيلينان لدعم منتخب بلاده، وهو الذي كان خلف دعم فريق «جيلاس» المعروف، ليفتح الباب نحو دخول استثمارات جديدة بمبالغ كبيرة في أسواق المنتخبات ذي الشعبية الكبيرة.


تؤثر الخلافات الداخلية في الاتحاد على عملية التسويق للمباريات وحصد مكاسب مادية مهمة

إذاً فوائد هذا النظام تبدأ من هذا الشق، وهو مطلوب للدول الصغيرة أكثر منها الكبيرة، ففي بلدٍ مثل لبنان الذي يعاني ما يعانيه على الصعيد السلوي أصبح بالإمكان تحقيق مكاسب مادية جمّة من خلال تنظيم المباريات الخاصة بمنتخباتها. وهذه البلدان الصغيرة (سلويّاً) والتي لا يمكنها استضافة البطولات الكبيرة، يمكنها الاستفادة من مردود الإعلانات وحقوق النقل التلفزيوني لأيّ قناة محلية (بالتنسيق مع صاحب الحقوق الآسيوية أي قناة BeIN Sports) بحيث يحصل الاتحاد المحلي على نسبة ولو صغيرة من حقوق النقل، تضاف إلى عائدات بيع بطاقات الدخول التي تذهب عائداتها إليه بالكامل.

لكن أين لبنان من كل هذا؟

الواقع أننا على مسافة بعيدة من كل ما يدور حول البلدان الكبيرة في قارتنا. يقول مصدر متابع عن كثب للمشوار اللبناني والتحضيرات التنظيمية والفنية له إن التخطيط للاستفادة من ساحة التصفيات لتحقيق أرباح مختلفة سيئ بالفعل. ويكشف المصدر لـ«الأخبار» أن لبنان خرج فائزاً بالنتيجة أمام الهند في أولى مبارياته على أرضه لكنه خرج خاسراً مادياً. لو أن هذه الخسارة كانت رمزية، إذا ما وضعنا في الميزان مصاريف الاستضافة وتلك اللوجستية مقابل العائدات. أما السبب فهو عدم العمل على جذب المعلنين بالشكل المطلوب، وهو أمر غير مستغرب في ظلّ افتقاد بطولة لبنان مثلاً لراعٍ رسمي بسبب الخلافات الموجودة في الاتحاد.
وهذه الخلافات نفسها أثّرت على عملية التحضير للمباراة تنظيمياً، والتي بدأت قبل أسبوعين فقط على موعدها. أضف أن الحملة الترويجية غابت للسبب عينه، فكان حضور الجمهور مخيّباً للآمال، وبالتالي كان المردود المالي بسيطاً جداً. كل هذا يترافق مع مرحلة تراجع تعيشها اللعبة على الصعيد المحلي، وقد جاء النظام الجديد ليعطي فرصة للقيّمين عليها للبناء على استضافة كأس آسيا وإعادة مدّ جسر مع الجمهور الذي خاب جراء نتيجة المنتخب في البطولة المذكورة، وإعادة رفع شعبية اللعبة عامةً والاستفادة من عامل الأرض والجمهور للتأهل إلى كأس العالم مجدداً بعد الفشل في تحقيق هذا الإنجاز في المرة السابقة.
لكن للبنان فرصة أخرى. فرصة تبدو ذهبية على المستويين الجماهيري والفني، وذلك عندما يستضيف الأردن في حزيران المقبل. وهنا يفترض العمل على التسويق لهذا اللقاء ابتداءً من الشهر المقبل أو في مطلع نيسان على أبعد تقدير، رغم أن هذه الموقعة ستسوّق لنفسها من خلال اعتبارها مباراة حاسمة للمنتخبين المتنافسين على صدارة المجموعة. بغض النظر عن علوّ المستوى الفني لأي منتخب، يبقى لجمهور صاحب الضيافة الأثر القوي في ترجيح كفته في مباريات مصيرية من هذا النوع.
وبالحديث عن الشق الفني، قد يكون لبنان لم يستفد فنياً من مبارياته في الدور الأول بحكم وجود منتخبي سوريا والهند الضعيفين في مجموعته. لكن النظام الجديد فرض إفادة فنية ناحية منتخبات شرق آسيا حيث أن معظم المباريات تكون قوية ومتقاربة المستوى وتترك إفادة لأطرافها. لكن استفادة لبنان على هذا الصعيد ستكون حاضرة في الدور الثاني حيث سيخوض مباريات قوية مع نيوزيلندا وكوريا الجنوبية والصين، ضمن مجموعة يفترض أن تضمه إلى سوريا والأردن أيضاً كونهما مرشحين للتأهل معه عن مجموعته للانضمام إلى المنتخبات الثلاثة المذكورة في إحدى المجموعتين اللتين سيتأهل من كلٍّ منهما 3 منتخبات وصاحب أفضل مركز رابع.
عدد كبير من دون شك للبطاقات الممنوحة لآسيا وعددها 7 غير تلك الممنوحة إلى الصين المضيفة للبطولة، وذلك بعد رفع عدد منتخبات المونديال إلى 32 منتخباً. لذا هناك قناعة كبيرة عند الخبراء والمتابعين القلقين منذ تلك الخسارة أمام الأردن الذي يفتقد لاعبوه إلى تنظيم بطولة محلية حالياً، بأنه في حال لم نحجز إحدى هذه البطاقات المونديالية الكثيرة، فإن الأمر سيكون بمثابة مصيبة وفضيحة تاريخية. ما هو مؤكد، منتخبنا قادر على مجاراة كبار آسيا، إذ إن وضعنا ليس «مأسوياً» كما يراه البعض. لا يلغي ذلك حقيقة وجود نقاط ضعف في ظل مرحلة تراجع فني واضحة عانت منها اللعبة أخيراً. لكن، وقطعاً، لا يستطيع لبنان الاعتماد على «تاريخه» في اللعبة، للحصول على مبتغانا، إذ إن كل المنتخبات المنافسة تذهب الآن إلى التجنيس وتتحضر على «أعلى مستوى» بغية ملامسة الحلم المونديالي.