العودة إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تترك صورة واحدة عند المتابع، وهي ريادة الدوري الإيطالي لكرة القدم وتفوّقه على كل البطولات في العالم. وقتذاك، كان النجوم يتقاطرون للعب في «الكالشيو» أو ما أسموه «جنة كرة القدم»، فكانت أندية الـ«سيري أ» تغريهم بأموالها وأضوائها المسلّطة عليهم. وهذا الأمر كان مردّه إلى العائدات التسويقية والتلفزيونية الهائلة التي كانت تغرق الدوري الإيطالي وأنديته.


لكن، مع انخفاض المؤشر في إيطاليا، حدث ارتفاع في مكانٍ آخر. في إنكلترا في الفترة الممتدة ما بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. ووصلت أرقام بيع حقوق النقل التلفزيوني إلى مبالغ قياسية أنعشت خزائن الأندية الإنكليزية وجعلتها «تتمختر» في سوق الانتقالات وتتبضع منه ما طاب لها.
ومع الكلام عن صفقة جديدة ستسجّل تراجعاً ملحوظاً لناحية قيمة الحقوق، ستتأثر بها أندية الدوري الممتاز بلا شك، ولو أن مواردها المالية لا تنحصر فقط بمسألة النقل التلفزيوني. وهي التي تجني مكاسب كبيرة من أسواق الإعلانات، إضافةً إلى أرباحٍ ضخمة من الأسواق التي سبق أن انفتحت عليها في القارات المختلفة.
ورغم الصورة الإيجابية التي لا يمكن إسقاطها عن الدوري الإنكليزي، ودخول الأموال الأجنبية إلى غالبية الأندية الإنكليزية، لا بدّ أن يكون هناك تأثير سلبي جراء الصفقة الجديدة التي من المفترض أن تروّض هذه الأندية نسبياً في سوق الانتقالات وتكبّلها في مكانٍ ما. وقد تعطي عملية حسابية بسيطة صورة واضحة حول مدى استفادة أندية إنكلترا من الأموال التي تُضخّ في خزائنها موسميّاً، وهي التي تحتل مراكز متقدّمة في حال جمعنا قيمة لاعبي كل تشكيلة للفرق الـ20.
ومن المؤكد أن الإنكليز كانوا أحد الأسباب الأساسية وراء تضخّم أسعار اللاعبين في سوق الانتقالات، إذ ضربوا أرقاماً قياسية في عملية الشراء، في كل مرة فُتح وأُغلق فيها السوق. وما الصفقة الضخمة التي جلب من خلالها نادي مانشستر يونايتد الفرنسي بول بوغبا من نادي يوفنتوس الإيطالي إلا دليل على هذا الكلام.. وقد كرّت بعدها الصفقات الضخمة التي تجاوزت الـ100 مليون دولار داخل إنكلترا وخارجها. وعلى سبيل المثال، تتخطى قيمة لاعبي متصدر «البريميير ليغ» مانشستر سيتي الحاليين المليار دولار، ليكون بذلك صاحب التشكيلة الأغلى ثمناً في عالم «المستديرة».


قيمة مجموعة لاعبي نادي مانشستر يونايتد وصلت إلى 930 مليون دولار
وهو الذي صرف 364 مليون دولار بين السوقين الشتوية والصيفية للتعاقد مع 6 لاعبين.
ولا يبعد نادي باريس سان جيرمان عن مانشستر سيتي. فقد دفع ما يقارب المليار دولار أيضاً لبناء فريقه الحالي. ومن يتهم مانشستر سيتي ومدربه الإسباني جوسيب غوارديولا بالاستفادة من الأموال لتحقيق نتائج نوعية، يمكنه أن يطّلع على سعر قيمة مجموعة لاعبي نادي مانشستر يونايتد، التي وصلت إلى 930 مليون دولار. وبذلك يتقدّم على نادي تشلسي الذي دفع 737 مليون دولار ثمناً للاعبيه. واللافت أن كل هذه الأندية تتقدّم على ريال مدريد الإسباني الذي وُصف يوماً بصاحب الصفقات المليونية المجنونة، إذ أن تشكيلته الحالية كلّفته 617 مليون دولار.
هي أرقام خيالية طبعاً، لكن ما لا يمكن تخيّله أن يتقدّم نادٍ مثل إفرتون على العملاق الألماني بايرن ميونيخ على هذا الصعيد، إذ صرف لتجميع لاعبيه 454 مليون دولار، كان آخرهم في السوق الشتوية الثنائي ثيو والكوت والتركي سنك توسون مقابل 66 مليون دولار. أما النادي البافاري، فدفع 451 مليون دولار مقابل لاعبيه.
إذاً، هو الثراء الفاحش والعيش الرغيد الذي يجعل أيضاً ناديين مثل كريستال بالاس (279 مليوناً) وساوثمبتون (284 مليوناً) ـ الذي يحارب للهروب من شبح الهبوط ـ يتقدّمان على نادي إنتر ميلانو الإيطالي ونابولي متصدر الـ«سيري أ».
حتى إن وست هام (221 مليوناً) يتقدّم على فريقين مهمين في إسبانيا هما إشبيلية وفالنسيا اللذين صرفا 198 و183 مليوناً على التوالي لتأسيس فريقين يمكنهما المنافسة على المراكز المتقدمة في «الليغا» المؤهلة إلى دوري أبطال أوروبا. يحدث ذلك بينما لن يكون بمقدور الفريق اللندني المذكور أن يطمح إلى تحصيل مركز في وسط الترتيب.
هو عصر الأندية الإنكليزية بامتياز، وسوق الانتقالات بات ملعبها وأرضها. لكن المؤشر قد يبدأ في التحوّل انخفاضاً، مع ما يتوّقع أن يحصل الأسبوع المقبل على صعيد الصفقة التلفزيونية الجديدة. لكن، رغم كل ذلك، وحتى الصيف المقبل وفتح السوق من جديد، لا يُفترض أن تفرح أندية أوروبا الأخرى، فكل المؤشرات لحركة «البيزنس» الإنكليزي حول العالم لا تشير إلى أن هناك استعداداً إنكليزياً للتراجع أو الانسحاب من الجبهات المختلفة. وما متابعة أخبار الانتقالات والأهداف التي وضعها الإنكليز للموسم المقبل إلا الدليل القاطع على هذا الكلام.




تراجع في قيمة حقوق النقل التلفزيوني

3.58 مليار جنيه إسترليني من أجل بث 128 مباراة في الدوري الإنكليزي الممتاز لكرة القدم على مدار ثلاثة مواسم، واعتباراً من موسم 2019-2020.
هذا هو المبلغ الذي ستدفعه شبكة «سكاي» التلفزيونية، التي يملكها الملياردير الشهير روبرت مردوك، وهي صفقة ستضع حدّاً للتضخم الرهيب في قيمة حقوق النقل التلفزيوني لمباريات الدوري الإنكليزي.
ولشبكة «سكاي» منافس وهي شبكة «بي تي» التي لن تحصل سوى على 32 مباراة في الموسم الواحد، وقيمتها 885 مليون جنيه إسترليني.
وفي حال جمعنا قيمة الصفقتين المتوقّع إبرامهما الأسبوع المقبل، يكون التراجع واضحاً في قيمة الحقوق، التي ارتفعت في المزادين السابقين بحوالى 70 بالمئة.
ففي عام 2015، تخطت «سكاي» و»بي تي» كلّ التوقعات، عندما دفعتا مبلغاً قياسياً وصل الى 5.14 مليار جنيه إسترليني لبثّ المباريات، وخصوصاً تلك التي تخصّ الفرق الكبرى التي استفادت في المقابل من الأموال لتبرم صفقات ضخمة في سوق الانتقالات.
لكن الشركتين ستدفعان الآن 4.46 مليار جنيه إسترليني، من أجل 160 مباراة في الموسم، ولمدة ثلاث سنوات.