تتركز الأنظار في دور الـ 16 لدوري أبطال أوروبا، بطبيعة الحال، على مواجهات ريال مدريد الإسباني ضد باريس سان جيرمان الفرنسي، وبرشلونة الإسباني ضد تشلسي الإنكليزي، ويوفنتوس الإيطالي ضد توتنهام الإنكليزي، لكن مواجهة بايرن ميونيخ الألماني أمام بيشكتاش التركي لا تقل أهمية.


المسألة لا تتوقف على اعتبار أن البافاري هو دوماً بين المرشحين للقب وأن بيشكتاش أظهر قوّته في دور المجموعات متصدراً مجموعته دون أي خسارة بعد أن ضم إلى صفوفه في الأعوام الأخيرة العديد من نجوم الكرة الأوروبية على غرار البرتغاليين ريكاردو كواريسما وبيبي والإسباني ألفارو نيغريدو والبرازيلي فاغنر لوف والتشيلياني غاري ميديل، إذ إن المباراة تأتي في توقيت تشهد فيه العلاقة بين ألمانيا وتركيا توتراً غير مسبوق.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتهم في الآونة الأخيرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ «ممارسات تعود إلى الحقبة النازية»، فيما قامت السلطات التركية باعتقال عدد من الأشخاص الذين يحملون الجنسية الألمانية في تركيا «لأسباب سياسية» بحسب برلين. في المقابل، سعت ميركل في الأشهر الأخيرة إلى وقف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وتخفيض المساعدات المالية لها، فيما حذّرت برلين رعاياها من السفر إلى تركيا وشركاتها من الاستثمار فيها كما جمّدت صادرات الأسلحة إليها.
وبطبيعة الحال أن يتواجه كبيرا الكرة في البلدين في ظل هذه الأجواء، فإن هذا الأمر يعطي المباراة أهمية مضاعفة وترقباً لها في ألمانيا وتركيا. لكن هذا ليس كل شيء. إذ إن الحديث عن أي مباراة تجمع بين فريقين ألماني وتركي أو بين منتخبَي البلدين يفتح باب النقاش حول اعتبارات أخرى اجتماعية وكروية.


اللاعبون الألمان من أصل تركي هم الأكثر عدداً في الأندية الألمانية خلال السنوات الأخيرة
المعروف أن الجالية التركية في ألمانيا هي الأكبر. التقديرات تشير إلى وجود حوالى أكثر من مليون و500 مهاجر تركي في ألمانيا، لكن أكثر هؤلاء لم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع الألماني حيث بقيت لهم ثقافتهم الخاصة وهم يتحدّثون اللغة التركية في الأماكن العامة. دراسة حديثة كشفت أن الألمانيين من أصول تركية هم الأقل نجاحاً اقتصادياً من المجموعات المهاجرة الأخرى. في المقابل، يقول عالم الاقتصاد الألماني توماس ستراوبهار إن «أغلب الألمان يعتبرون الأتراك ضيوفاً وليسوا مواطنين، وهو موقف لا يشجع الأتراك على الاندماج».
ولعل هذا الواقع ينعكس في كرة القدم. اللاعبون الألمان من أصل تركي هم الأكثر عدداً في الأندية الألمانية. السنوات الأخيرة شهدت طفرة لهؤلاء في المنتخب الألماني، إذ إن التشكيلة الحالية تضم على سبيل المثال أكثر من لاعب تركي مهاجر يأتي في مقدمهم أحد أبرز نجوم الكرة العالمية مسعود أوزيل بالإضافة إلى النجمين إيلكاي غوندوغان وإيمري كان. لكن رغم نجومية هؤلاء في ألمانيا فإن ارتباطهم بتركيا ظل وثيقاً. هذا الأمر بدا واضحاً من خلال عدم ترداد هؤلاء النشيد الوطني الألماني أثناء مباريات «المانشافت» وهذا ما أغضب الألمان في فترة سابقة وأثار جدلاً كبيراً في البلاد. أوزيل على سبيل المثال، الذي يحرص دوماً على زيارة تركيا في أوقات عطله مع فريقه أرسنال الإنكليزي أكثر من ألمانيا وكان آخرها احتفاله مع صديقته التركية بتمديد عقده مع «الغانرز» في أحد مطاعم اسطنبول، بدا دبلوماسياً عند تعليقه على أزمة ألمانيا مع تركيا حيث لم يتحيّز للأولى بقوله: «أنا فخور لكون أصولي تركية، ولأنني ألعب بقميص المنتخب الألماني»، مضيفاً: «أنا رياضي ولست سياسياً، لقد التقيت قبل ذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وأعتقد أن العلاقات بين البلدين ستتحسّن قريباً».
لكن، في المقابل، فإن الأتراك يشعرون بالغضب من الألمان لاعتبارهم أن ألمانيا خطفت منهم أهم النجوم الذين كان من الممكن أن يرتدوا قميص المنتخب التركي وكان آخرهم في العام الماضي كريم ديميرباي، لاعب هوفنهايم، الذي فضّل اللعب لـ «المانشافت» ما أدى إلى أزمة بين اتحادَي الكرة في البلدين بعد أن أرسل الاتحاد التركي خطاباً للاتحاد الدولي لكرة القدم يتضمن عريضة باللغة الإنكليزية عليها توقيع اللاعب بشأن رغبته بتمثيل منتخب تركيا. في النهاية حصل المنتخب الألماني على اللاعب الذي شارك في كأس القارات في روسيا.
الأكيد أن أي مواجة بين فريقين من ألمانيا وتركيا تأخذ أهمية، فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بكبيرَي الكرة في البلدين بايرن وبيشكتاش وفي بطولة مثل «التشامبيونز ليغ» في أدوارها الإقصائية؟ ما هو واضح أن على بايرن أن يحسم تأهله من مواجهة الذهاب على ملعبه اليوم، ذلك أن زيارته لاسطنبول إياباً لن تكون نزهة على الإطلاق.