إنه شهر آب عام 1998. اسم روجيه فيديرر سيظهر للمرة الأولى إلى العلن. اليافع السويسري يحرز لقب بطولة ويمبلدون للناشئين. وسائل الإعلام السويسرية تهتم بابن بلدها، تسأله: «ما هو طموحك؟». يأتي جواب ابن السادسة عشرة: «أودّ الانضمام إلى قائمة أفضل 100 لاعب في العالم وأن أقوم بالأفضل. يجب أن أعمل أكثر بكثير في التدريبات».

إنه شهر شباط 2018. ذلك الفتى أصبح «كهلاً» (بالمفهوم الرياضي) الآن. بات في الـ 36 من عمره. مضى 20 عاماً على كلماته تلك. ها هو بعد انتهاء المباراة النهائية في دورة روتردام الهولندية وفوزه بها يضع يديه على وجهه غير مصدّق.

بات هذا «الهَرِم» في صدارة تصنيف لاعبي التنس المحترفين مجدداً. قبل 20 عاماً كان حلمه أن يكون بين أفضل 100 لاعب في العالم، وها هو الآن بسنيه الـ 36 و6 أشهر بالتمام في الصدارة التي فقدها أمام الصربي نوفاك ديوكوفيتش عام 2012. بات الآن أكبر لاعب في التاريخ يتصدر التصنيف... هذه هي الأسطورة.
لم تتعب السنين فيديرر. «جوهر» هذا النجم الكبير ما بعد سنيه الـ 35. في كانون الثاني 2017 تعرّض لإصابة قوية أبعدته 6 أشهر عن المنافسات. تراجع تصنيفه إلى المركز الـ 17. ظن الجميع أن فيديرر انتهى. أنه لن يعود كما ذي قبل. لكن السويسري لم ييأس. بقي متسلحاً بطموحه وبتركيزه وبعشقه للتنس، هذه هي أسرار قوته. عاد قوياً. قوي إلى درجة جعلت النجم الأميركي السابق جون ماكنرو يعرب عن عدم استيعابه كيف يمكن أن يلعب فيديرر الآن أفضل مما كان عليه في شبابه.
من الطبيعي فعلاً أن يبدو ماكنرو مندهشاً. الأميركي نفسه اعتزل عام 1992 بسن 33 عاماً في المركز الـ 20 في التصنيف العالمي، وللمفارقة فإنه عاد عن اعتزاله عام 1994 للمشاركة في دورة روتردام نفسها إلا أنه خرج من الدور الأول. نجم أميركي آخر كان يحمل الرقم القياسي لعدد الألقاب في البطولات الكبرى (14 لقباً) قبل أن يتخطاه فيديرر نفسه، ألا وهو بيت سامبراس، اعتزل في عام 2003 بسن 32 عاماً في المركز الـ 34 في التصنيف. أما النجم الأميركي الآخر أندريه أغاسي فقد اعتزل بسن 30 عاماً في المركز الـ 20 في التصنيف، معلناً أنه فقد قوته والحافز لمواصلة المشوار.

="" title="" class="imagecache-465img" />
للصورة المكبرة انقر هنا

لكن فيديرر تخطى هؤلاء بأشواط. المسألة لا تتعلق فقط بعامل السن المهم طبعاً، بل بالإنجازات أيضاً. بلقبه في روتردام بات رصيد فيديرر 97 لقباً بينها 20 لقباً قياسياً في البطولات الكبرى و303 أسابيع في صدارة التصنيف. هو اللاعب الوحيد الذي وصل 30 مرة إلى نهائي البطولات الكبرى والوحيد الذي خاض فيها 10 مباريات نهائية على التوالي منذ بطولة ويمبلدون عام 2005 حتى بطولة أميركا عام 2007، أما في المركز الثاني فيأتي فيديرر نفسه بـ 8 مباريات نهائية من بطولة رولان غاروس عام 2008 إلى بطولة أوستراليا عام 2010. هو الوحيد أيضاً الذي خاض 5 مباريات نهائية على الأقل في جميع البطولات الكبرى، والوحيد الذي خاض 11 مباراة نهائية في بطولة كبرى واحدة في ويمبلدون التي يحمل الرقم القياسي بعدد ألقابها بـ 8 ألقاب. أيضاً وأيضاً هو أكثر من وصل إلى ربع نهائي جميع البطولات الكبرى في 54 مناسبة.
لكن يبقى لـ «ولادته الثانية» بعد إصابته في 2017 وعودته بعد تخطيه 35 عاماً رونق خاص، إذ إنه توّج بثلاثة ألقاب في البطولات الكبرى (لقبان في أوستراليا ولقب في ويمبلدون)، كما أنه لم يخسر أي مباراة حتى الآن في عام 2018، والأهم أنه أصبح اللاعب الأكبر سناً الذي يتصدر التصنيف العالمي.
أمام كل هذه الإنجازات، وفي هذه السن، هل اكتفى فيديرر؟ المنطق يقول إن على هذا النجم الكبير أن يخلد إلى الراحة الآن وهو في القمة. أن يجلس على أريكته في منزله يشاهد على التلفاز باستمتاع كل ما قدّمه في الملاعب. لكن السويسري يأبى مجرّد التفكير بهذا الأمر الآن. يرى أن لديه المزيد ليقدّمه للجماهير، للجيل الجديد. لم يتعب فيديرر بعد. يتحدى السنين... والأسطورة ما زالت تنمو.
قبل عشرين عاماً، وبعد فوزه بلقب إحدى الدورات للناشئين، كتب فيديرر محتفلاً على باب غرفته: «هنا يعيش الرقم واحد». لم يخطىء فيديرر العبارة. حقاً هو الرقم واحد على مرّ السنين.