في نيسان 2015، انتشر فيديو لالافٍ من مشجعي نادي «الهلال» السعودي في ملعب الملك فهد، يهتفون لنادي «بيرسيبوليس» الإيراني، بعد تسجيل مهدي طارمي هدف الفوز على «النصر» السعودي من ركلة جزاء في بطولة دوري أبطال اسيا. وضع السعوديون الخلافات السياسية والدينية مع إيران جانباً، وشجعوا الخصم الأزلي على حساب المنافس المحلي، على الرغم من أن الهلال كان يلعب في مجموعة أخرى.


ردُّ جماهير النصر جاء في نهائي البطولة عينها السنة الماضية، حين هتفوا لفريق «واوراوا» الياباني بمواجهة الهلال، الذي خسر اللقب حينها. أن يشجّع السعوديون فريقاً إيرانياً ضدّ آخر سعودي، فهذا، من معرفتنا بطبيعة «الأزمة السياسية» بين البلدين، حدث كبير. هل يحدث مثله في لبنان؟
لا تختلف هذه الحالة عن لبنان. على الرغم من أن الأندية اللبنانية لم تحقق أي لقبٍ قاريّ أو دولي، إلا أن معظم الجماهير لا تتمنى أن يذهب اللقب الدولي الأول لكرة القدم اللبنانية إلى خزائن النادي المنافس. ففي المواسم الماضية، حضرت الأعلام النجماوية في ملعب صيدا البلدي، لمؤازرة الصفاء في مباراته الحاسمة على اللقب أمام العهد في الأسبوع الأخير من الدوري. كما شوهدت أعلامٌ للأنصار من جهة، والعهد من جهة أخرى، على مدرجات فرقٍ منافسة للنجمة، والعكس. صحيح أننا ما زلنا في لبنان، لكن هذه «مؤشرات» إلى حجم الحساسية بين الجماهير اللبنانية.
تتفق الجماهير حول العالم على أن المشجع الحقيقي لا يُمكن أن يساند نادياً منافساً في أي مسابقة مهما كانت هوية الخصم. تلعب الاعتبارات السياسية والثقافية دوراً وزاناً في هذا الإطار، في إسبانيا، يستبعد كثيراً أن يشجع الكاتالان ريال مدريد، تقريباً مستحيل، والعكس صحيح. في إيطاليا، في شمالها، يمكن أن يشجع الميلانيون يوفنتوس، إن كان ممثلاً لإيطاليا، وممكن كثيراً أن لا يفعلوا ذلك. في نابولي الجنوبية، لن يفعلوا ذلك، لأن اليوفي فريق الشمال. ونتحدث عن فرق تنافس على مستوى قاري. هذه القاعدة مترسّخة لدى جماهير الأندية التي حققت ألقاباً دولية، ولكن كيف يكون الحال بالنسبة إلى تلك التي لم تذق طعم الكؤوس غير المحلية، وفي بلد صغير كلبنان؟


يعتبر كابتن منتخب لبنان
السابق ومدرب الراسينغ الحالي رضا عنتر أن على اللبناني أن يشجع الفريق الذي يمثّله في الخارج

يعتبر كابتن منتخب لبنان السابق، ومدرب الراسينغ الحالي، رضا عنتر، أن على اللبناني أن يشجع الفريق الذي يمثّله في الخارج، لكن لا يُمكن فرض هذا الواجب على المشجعين. لكلّ شخصٍ رأيه الخاص. عنتر الذي لعب مع أندية ألمانية وصينية عدة، وهو أول لبناني يشارك في بطولة دوري أبطال آسيا، يقول: «إن مشجعي الفرق الأخرى يدعمون النادي الصيني الذي يمثلهم في الخارج، فالفوز باللقب الآسيوي يُفرح جميع الصينيين، ولو أنهم يتمنون أن يظفر النادي الذي يشجعونه محلياً بهذا اللقب، لكن هذا لا يمنعهم من تشجيع نادٍ آخر يمثل الصين في البطولة الآسوية». الحال هو عينه في ألمانيا. «من الطبيعي أن يتمنى مشجع بوروسيا دورتموند فوز ناديه بلقب دوري أبطال أوروبا، لكن فوز بايرن ميونخ باللقب لا يُنقص من فرحتهم، بفوز ممثل ألمانيا باللقب الأغلى أوروبياً»، يقول هداف منتخب لبنان التاريخي، صاحب «التجربة الألمانية».
لا يتفق علي كرنيب، أحد الوجوه المعروفة في نادي النجمة، والذي يُعدّ قائداً على المدرجات، مع عنتر، إذ يرى أن أي مسابقة لا يشارك فيها «النبيذي» لا تعني للنجماويين شيئاً. برأيه، أن ينتمي شخصٌ لنادٍ معيّن، ويشجّع نادياً آخر، ولو لمباراة واحدة، يُعدّ أمراً خاطئاً، وهذه ليست فقط العقلية اللبنانية، بل هي قاعدة مترسخة لدى جميع الجماهير. «النجماوي الذي يشجّع الأنصار والعهد أو أي نادٍ آخر لا يمثلني»، يقول كرنيب. يستفيض شارحاً، بأنه لا يتعاطف أي نادٍ أو جمهورٍ في لبنان مع النجمة، فلم نتعاطف معهم؟ يبدو واثقاً من معلوماته... «بطبيعة الحال نحن لا نتمنى التوفيق لأي فريقٍ لبناني، غير النجمة، في مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي. إن كان الهدف هو أن يظفر أحد الأندية اللبنانية باللقب للمرة الأولى، فليكن النجمة أو لا أحد غيره. وصولنا إلى نهائي المسابقة في عام 2005 يُعدّ أنجازاً نجماوياً، وليس لبنانياً».
أما عن المشجع غير النجماوي الذي يحضر على مدرجات «النبيذي»، فيقول كرنيب إنه «لا يتشرّف بوجوده. ففي السنة الماضية حضر بعض الأشخاص من جمهور العهد على مدرجات النجمة، ما أثار حفيظة البعض، حتى اضطروا إلى إخراجهم منعاً لأي إشكال قد يضر بالنادي». بالنسبة له، النجمة «انفصالي». النجمة يمثّل النجمة ولا يمثل لبنان. وكرنيب ليس وحيداً، النجماويون عموماً، يحبّون فريقهم أكثر من أنفسهم.
بطبيعة الحال، على اللبنانيين أن يساندوا ممثليهم في أي محفلٍ قاريّ أو دولي، سواءً في الرياضة أم في غيرها، إلا أنه لا يمكن إلزام المشجعين بهذا الواجب، خاصة أولئك المتعصّبون لفرقهم. أحياناً تأخذ الأمور منحى تصعيدياً، فيصفهم البعض بالخونة. في الحالة اللبنانية، المشجعون الأوفياء لأنديتهم، يصعب عليهم مؤازرة نادٍ آخر، وتالياً، لا ينسحب عليهم المثل الشعبي الذي يقول: «أنا وخيي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب». ذلك رغم أننا يجب أن ننتبه دائماً إلى أن الفرق اللبنانية تمثل لبنان في الخارج، ولا تمثل نفسها، وهذا حسب «المنطق»، وحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم أيضاً!