في منتصف الجزء الأوّل من القرن الماضي، وتحديداً بين الحربين العالميّتين الأولى والثانية، تغيّر مفهوم الرياضة في بعض الدّول الأوروبيّة. بات التفوّق الرياضي وحصد الميداليّات هدفاً من أجل تعزيز الانتماء القومي وتعزيز الكرامة الوطنيّة، وإظهار التميّز بين دولة وأخرى. وساهم بتعزيز هذا المفهوم كلّ من هتلر وموسوليني من أجل إعطاء قوّة أكبر للسلطة المركزيّة.


خلال تلك الفترة وبعدها بقليل لم يتبنّ الاتحاد السوفياتي هذه الفكرة أو لم يكن حينها قادراً على تنفيذها لأسباب عدّة. وفي بداية السبعينيّات قال الكاتب الإسباني مانويل مونتلبان في كتابه «السياسة والرياضة» إنّ «اليسار ينتقد الرياضة لأنّها تميل إلى اليمين وذلك من خلال تحويلها إلى أداة للضغط القوي». ولكن بعد هذه الفترة بقليل تغيّرت السياسة العامة في الاتحاد السوفياتي، وبدأ التطّور الرياضي يأخذ منحى آخر. بات الاتحاد السوفياتي رقما صعباً في مختلف الرياضات، وحتى بعد انهياره تعتبر دول الاتحاد السوفياتي السابقة «خزاناً للاعبين» في مختلف الرياضات الفرديّة والجماعيّة، وهذا ما يظهر في دوريات كرة القدم وكرة اليد في أوروبا الغربية، نجوم كبار من أوروبا الشرقيّة ليصنعوا الفارق، عدا عن الأرقام المميزة لرياضيي هذه الدول في الألعاب الفرديّة على مستوى العالم

لا بدّ من هذا الملخص (إلى يمين الصفحة) للدخول إلى ما حصل في أولمبياد بيونغ تشانغ الأخير في كوريا الجنوبية من مزج بين السياسة والرياضة، في الدورة التي حملت شعار «ألعاب السلام». في هذه الألعاب استمرّ فرض الحظر على روسيا، ولم يسمح للاعبيها بالمشاركة إلّا تحت العلم الأولمبي، ومَنع رفع العلم الروسي في الحفل الختامي، حتّى أنه تمّ إعطاء صفة خاصّة للاعبين الروس الـ168 الذين شاركوا في الأولمبياد الشتوي وهي «الرياضيّون الأولمبيّون من روسيا». الحظر بدأ قبل نحو سنتين، وتحديداً عندما اتَّهَم تقريرٌ صادر عن المحقق الكندي ريتشارد ماكلارين أُعّد بطلب من الوكالة الدوليّة لمكافحة المنشاطات «وادا»، موسكو بتطبيق برنامج منشّطات برعاية الدولة الروسيّة على نطاق واسع، امتد لأعوام وبَلَغ ذُروَته في أولمبياد سوتشي الشتوي 2014. وتمّ ربط الأمر بالأمن الروسي والرئيس فلاديمير بوتين الذي قيل إنّه يريد إنجاح رياضييه لإعطاء صورة قويّة للدولة. ولم تكتف الّلجنة الأولمبيّة الدوليّة بالحظر بل فرضت غرامة على روسيا وصلت قيمتها إلى 15 مليون دولار، ومنعت وزير الرياضة حينها فيتالي موتكو، من حضور الألعاب الأولمبية لمدى الحياة بعدما ذُكِر اسمه شخصيّاً في «فضيحة المنشطات».
ولكنّ الأمر الذي ربط هذا الملف بالولايات المتحدة الأميركيّة وإمكانيّة أن يكون له أبعاد سياسيّة قويّة، هو هروب المدير السابق للمختبر الروسي لمكافحة المنشطات غريغوري رودتشنكوف عام 2016 إلى الولايات المتحدة الأميركيّة، لأنّ «أمنه الشخصي مهدد» بحسب قوله، بعد أن تحدّث عن «فضيحة منشطات على نطاق واسع في روسيا»، متهماً الرئيس فلايديمير بوتين «بإعطاء أوامر لبدء برنامج التنشيط للرياضيين الروس». ولاحقاً قال التحقيق الروسي إن رودتشنكوف كان يعطي مواد للاعبين الروس على أنها فيتامينات ومتممات غذائيّة، وقام بعدها بالإبلاغ عنهم أنهم يتعاطون المنشطات. وفي بداية الألعاب الأولمبية في بيونغ تشانغ، اتسعت المعركة وقال وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف إنّ ما يحصل للرياضة الروسية هو بقرار أميركي، لأن «الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع أن تهزمنا في معركة عادلة»، معتبراً أن الاتهامات التي وجهت للرياضيين الروسي هي «نوع من المنافسة الوقحة، والولايات المتحدة هي التي دبرت هذا الأمر في الخفاء لاستعادة المركز الأوّل في الرياضة».


فُرِضَت قوانين على الّلاعبين
بمنع تسلم أي علم
روسي من أي مشجع

أكثر من ذلك. كان لافتاً في أولمبياد بيونغ تشانغ التضييق الكبير على اللاعبين الروس، فمنعتهم اللجنة الأولمبيّة الدوليّة من رفع علم بلادهم سوى في حجرات نومهم بشكل لا يظهر للخارج. كما لم تَسمح لهم بتعليق أي علم على أبواب الحُجرات أو على النوافذ. وفَرَضَت قوانين على الّلاعبين بمنع تسلم أي علم روسي من أي مشجع إذا ما حاول إعطاؤهم إياه بعد الفوز. وشملت الشروط الصارمة على الرياضيين الروس منعهم من رفع علم بلادهم في أي مكان عام، وتحديد ما يمكنهم أن يرتدونه في التدريبات أو المنافسات، بحيث أنه لم يسمح لهم بارتداء أي مزيج من الألوان التي من شأنها أن تشكّل العلم الروسي. وتمّت مراقبة حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، للتّأكّد من أنهم يعرّفون عن أنفسهم على أنهم رياضيون أولمبيون من روسيا. كما أنّ اللجنة الأولمبية أعلنت أنّ اختبارات المنشطات كشفت تنشّط رياضيين روسيين وتمّ تجريدهما من الميدالية البرونزيّة في رياضة الكيرلنغ «جر الحجر على الجليد» ومنحها للنرويج، وهو ما اعتبرته اللجنة الأولمبيّة الدولية إدانة جديدة للرياضة الروسيّة. وطبعاً، كان لافتاً غياب العلم الروسي في وقت شاركت ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيفانكا في حفل الختام، إضافة إلى وفد كبير من كوريا الشماليّة.
للاطلاع على جدول الميداليات كاملاً انقر هنا

حصار الرياضة الروسيّة دوليّاً والذي بدأ منذ ألعاب ريو دي جينيرو في البرازيل عام 2016، واستمر في الألعاب البارالمبية (ألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة) يبدو أنه مستمر وآخذ في التصاعد، قبل الدورة المقبلة من الأولمبياد الصيفي المقرر في اليابان 2020. ويأتي هذا كجزء من سلسلة قديمة تعود إلى عشرات السنين، من المنافسة السياسية على ميادين الرياضة، بين دول كبرى لا تريد لأخرى صاعدة أن تستعيد مكانتها في العالم في أي مجال من المجالات، وهذا الأمر ربما ينطبق على العلاقة الأميركية الروسية بعد انتهاء الحرب الباردة وصولاً إلى ميادين الحروب المتنقلة في العالم اليوم بين الدولتين، والتي تعتبر الرياضة واحدة من هذه الميادين. وما حصل في بيونغ تشانغ ربما ذيوله ستطال كأس العالم المقرر في حزيران المقبل في روسيا، والذي لا يروق للولايات المتحدة كثيراً، خاصةً وأنها لم تتأهل أصلاً. ستكتفي بالمشاهدة وإطلاق التصريحات.